أين أنت من صناعة عالم ما بعد الكورونا؟

تعددت التحليلات السياسية والاقتصادية والإجتماعية والبيئية حول مصير العالم بعد انتشار فيروس كورونا، وشاعت مقولة "ماذا بعد الكورونا، وهل سيتغير وجه العالم؟"

إنّ التغيرات المجتمعية التي تم اعتبارها حصيلة وباء الطاعون الذي انتشر في القرن الرابع عشر، حيث انهار النظام الإقطاعي، لم يكن نتيجة انتشار هذا الوباء. فما حصل حينها هو تبدل النظام العبودي الذي كان سائداً، والذي قام عليه اقتصاد العصور الوسطى، ونشوء نظام حرفي جديدٍ بفعل تطور أساليب الإنتاج وبداية الصناعات الحرفية والمهنية. اذاً السبب هو ظهور الطبقة الرأسمالية التي بدأت قبل الوباء واستمرت بعده.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، حينما انتشرت جائحة انفلونزا 1918، أو ما عرف بالانفلونزا الإسبانية والتي سببت وفاة عدد كبير من الأفراد، كانت الحصيلة اختلال في التوازن بين الجنسين في العديد من البلدان، وسبب ذلك شح في العمالة، فمهدت هذه الانفلونزا طريقاً لإنضمام النساء إلى القوى العاملة. ومن الناحية الصحية، بدأ تدشين لأول مرة الأنظمة الصحية المركزية المتاحة للجميع حيث كانت روسيا أولى هذه الدول. تقول عالمة الاجتماع جنيفر كول، إنّ ثنائية الحرب والجائحة غرستا بذور الرعاية الإجتماعية في كثير من أرجاء العالم.

ولكن اليوم، الوضع مختلف فعندما تتساءل عن مصير العالم بعد الكورونا، نجد ان هناك العديد من الظروف الاقتصادية والصحية والإجتماعية سوف تلعب دوراً كبيراً في تحديد هذا المصير ولكن العنصر الأهم في هذه المعضلة هو ذلك التطور التقني والتكنولوجي الذي يجتاح العالم بأكمله ولم يكن متوفراً سابقاً.

يقسم العالم اليوم الى ثلاث فئات، الفئة الأولى التي تعتبر ان هذه الجائحة مؤقتة، وبالتالي ستعود الحياة إلى طبيعتها التي كانت عليها مسبقاً وهي التي بدأنا نسمع صرختها ومعاناتها من تدابير الحجر المنزلي واتباع جميع القواعد الالزامية للحدّ من انتشار المرض، والفئة الثانية التي تحاول التعايش مع الواقع وأما الفئة الثالثة فهي التي تأخذ الموضوع على محمل الجد وتحاول النظر الى البعيد ورسم خارطة طريق جديدة. فهي تحاول الإستفادة من المتغيرات الحاصلة من خلال تطوير قدراتها مستخدمة ما توفر لديها من تقنيات قدمها لها عالم التكنولوجيا الرقمية والذي كان من المتوقع الوصول اليه تدريجياً بعد حوالي عشرة سنوات. 

فرض هذا النظام نجاحاته في عالم الأعمال والاقتصاد والصحة وحتى التعليم، وأصبحت عملية التواصل عن بعد مع المتابعة وسيلة من أجل تحقيق العديد من الغايات.

ذكرت مجموعة من الخبراء في شركة ماكنزي العالمية أنّ التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يكمن في ثقافة البشر وليس بالتقنية. وهذا ما ذكره ابن خلدون في كتاباته في القرن الرابع عشر،عندما تحدث عن دور الانسان في صناعة التاريخ حيث بإمكانه من خلال توظيف قدراته الكامنة في داخله أن يشق طريقه في مجتمعه وأن يصبح محور التاريخ.

اذاً هذا السفر عبر الزمن هو التحول للوصول إلى مرحلة متقدمة من التطور، فهو يبني تصورات لعالم متكامل من القدرات البشرية، ما تحتاج اليه هو التعاون لإعادة التفكير والتخطيط باستراتيجيات مستقبلية تحاكي الوجود البشري.

*باحثة وأستاذة جامعية

 

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".