الرجل العصامي

إن أراد أحدٌ التحدّث، أو الكتابة، عن أحدٍ ما فلا بدّ له من أن يتناول سيرته الأخلاقية، والروحية،  والأدبية، والعلمية، وكل ما هناك من ميّزات يتمتع بها ذاك الفرد.

وإذا أراد التحدّث عن الطبيعة، وكلُّ ما هو جميلٌ في هذه الدنيا وما عليها، فلا بدّ من الاعتراف بأن الموت أحد أوجهها الأشد إيلاماً، ولكنه حقٌ إلهي من حقوق الطبيعة الإلهية، والتوازن بين الموت والحياة.

منذ يومين فارَقَنا الدكتور عادل محمد أبو عاصي، ذاك الرجل العصامي الذي بنى نفسه بنفسه،  الصلب والصدوق في زمنٍ قلّ نظيره، وهو الذي تعالت نفسه عن المادية وشموخ عهدها، والتكاذب والتملّق بين الناس على أنفسهم، وعلى بعضهم البعض. والمال أصبح الهدف والغاية بأية وسيلة كانت، وبوقتٍ قياسي، والدجل ملأ قلوب معظم  الناس وألسنتهم، وبه متسلطةٌ ناطقةٌ دون خجلٍ أو وجل. 

كان الدكتور عادل صاحبَ علمٍ  ومعرفة، ومن متتبّعي المهاريشي مهاش يوغي، مؤسّس حركة  التأمل التجاوزي، وحركة التجدّد الروحي في جميع أنحاء العالم بقوة، وقد أخذ الطب البديل حيّزاً مهماً من مسيرته الطبية الذي حمل لواءه، وكان منتمياً إليه.

كان المدافع عن الطبيعة، ومُحِباً لها. كيف لا، وهو الذي أوصى بدفنه في ترابها.

حمل الأمانة دون تلكؤ أو تقاعسٍ، فكان مهنياً يتمتع  بصلابة، وذو مبدأ صارمٍ طبياً والممتزوج بالطبيعة، وما تحاكيه اجتماعياً وسياسياً.

كان للدكتور عادل له أسلوبه الخاص، إذ كان، من الناحية الطبيّة، غير آبهٍ بالشركات، وتجار الأدوية وشركاتها، وما تؤول إليه من منافع مادية.

هو صاحب العمل الإنساني الخيّر على قدر ما استطاع، خاصةً في أحداث 1975 وما تلاها.

أسّس مع مجموعةٍ من الأشخاص المستشفى الوطني في عاليه، ثمّ في بحمدون، وعمل بعدها في مدينة عاليه في حقبة  الأحداث المؤلمة، بصفته مديراً لها في بعض الأوقات.

تشهد الجبهات للدكتور عادل، وهو الذي كان الرسول الشافي، والمدواي المطبّب للجرحى والمصابين  عندما ندُر الأطباء في ذاك الزمن العصيب. كيف لا، وهو الثوري الدائم ذو العقيدة الشمولية الصلبة.
لا يهمّ ما يقوله الناس، وما يؤولونه، فالمهم عنده هو ما فعل الإنسان في حياته من أعمال حميدة  يًشكر عليها.

أمّا جدّ الدكتور عادل محمد أبو عاصي، الشيخ أبو محمد سليم شبلي أبو عاصي، ابن بلدة عين عطا في وادي التيم فقد أتى إلى بلدتنا المعاصر، وتأهّل بامرأةٍ صالحة من آل فيّاض الكرام، كما اتّخذ له صديقاً صادقاً صدوقاً، هو الشيخ الورع أبو محمد علي فياض، صاحب المقام والمزار في بلدتنا المعاصر.

الصداقة تتوارثها الأجيال، ولا يمحوها الزمان، ولا الأشخاص الذين يمرقون على الدنيا ولا يحسبون حساباً للغد.
 
عادل أبو عاصي ...  
عاش مع الأرض وترابها، وامتزج فيها.
ناضل بصمت، ورحل كما أراد
وتمنّى ذلك من دون غوغائية كما يحب الكُثر...
بصمت...

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".