عمّا ينتظر لبنان مع صندوق النقد!

16 أيار 2020 10:49:08

يتوالى نشر المقالات والدراسات حول إنطلاق مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي لا سيما أن هذه الخطوة محورية على مستوى رسم ملامح المستقبل الإقتصادي للبلاد للسنوات المقبلة وحسم خياراته الأساسية ووجهته المستقبلية وغالباً ما يعتري الأدبيات السياسية والإعلامية الكثير من التعميم وأحياناً التشويه حول هذه القضية.

الأكيد أن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي ما كان يحصل لولا التدهور غير المسبوق على المستويات المالية والنقدية وأزمة العملات الصعبة فضلاً عن إرتفاع الدين العام بشكل جنوني وتفاقم الهدر في الموازنة العامة وارتفاع العجز في الخزينة فضلاً عن تراجع سعر العملة الوطنية وفقدانها لقيمتها الشرائية في غضون أشهر قليلة.

لذلك، صار اللجوء إلى الصندوق وهيئات التمويل الدولية الأخرى ممراً إلزامياً للخروج من الأزمة وهو ليس "نزهة" بطبيعة الحال. وبين "شيطنة" الصندوق أو اعتباره يحمل عصا سحرية تتراوح المواقف والأفكار والاتهامات. لكن الأكيد أن المؤسسات الدولية لا تراعي "الحساسيات" الداخلية وتعمل وفق معطيات رقمية دقيقة تبني عليها سياساتها وتوقعاتها.

من الدراسات البارزة ما نشرته مؤسسة "كارينغي" للأبحاث إذ توقعت ألا يزيد دعم الصندوق للبنان عن 3 إلى 5 مليارات دولار وهي توازي أربعة أو خمسة أضعاف مساهمة لبنان في الصندوق البالغة نحو 861 مليون دولار، في حين أن الحكومة طلبت نحو 10 مليارات دولار وهو مبلغ كبير لن يكون من السهل إقناع الصندوق بتوفيره. وفي جميع الحالات، يوزع الصندوق الأموال المقرّة على سنوات متتالية ولا يدفعها مباشرة بل بعد التدقيق والتحقيق في وجهات إنفاقها.

لذلك، من المتوقع أن يلجأ لبنان إلى البنك الدولي ومجموعة دول مؤتمر "سيدر" بالتوازي مع الخط المفتوح مع الصندوق. وهناك أيضاً دول مجلس التعاون الخليجي التي دأبت تاريخياً على تقديم الدعم للبنان لا سيما في مرحلة إعادة إعماره في التسعينات. لكن تدهور علاقات لبنان معها في هذه المرحلة فضلاً عن تراجع أسعار النفط وانتشار وباء "كورونا" سيجعل من إمكانية مساهمة هذه الدول مسألة في غاية الصعوبة. كما تطرح علامات استفهام عديدة حيال إستمرار توفر أموال "سيدر". 

أما أبرز الخطوات التي من المتوقع أن يقترحها صندوق النقد الدولي فتتمثل بخفض قيمة العملة اللبنانية وترك هوامش السوق فيما يتعلق بسعر صرفها، خفض نسبة العجز وإعادة بناء الاحتياطي من العملات الصعبة، إعادة هيكلية القطاع المصرفي ورسملة المؤسسات المصرفية لتستعيد دورها في التسليف بالإضافة إلى إعادة هيكلية مصرف لبنان.

وتشير الدراسة إياها إلى من المتوقع أن يطلب الصندوق توسيع الوعاء الضريبي ورفع مستويات الجباية وتقليص الدعم الحكومي لبعض القطاعات والسلع. ومن غير المستبعد بطبيعة الحال أن يلجأ الصندوق إلى الطلب من الدولة اللبنانية بيع بعض أملاكها أو أصولها فضلاً عن تعزيز عمليات الخصخصة وترشيق القطاع العام.

لا شك أن هذه التدابير قاسية وبعضها غير مقبول وسيترك تداعيات هائلة على النواحي الإجتماعية لشرائح واسعة من المواطنين وليس فقط موظفي القطاع العام. لذلك، المطلوب من الوفد المفاوض الأخذ بالإعتبار كل هذه المعطيات والسعي الحثيث لمحاولة المواءمة بين إقناع الصندوق بدعم لبنان وبين مراعاة تلك العناصر كي لا نصل إلى انهيار إجتماعي يوازي الانهيار المالي وقد بدأت طلائعه بالظهور!

على أمل ألا نصل إلى ما وصلت إليه فنزويلا!