صاغ عالمه وعاش قيَمه ورحل

د. عماد شيا |

في زمنٍ تراجُع منظومة الأخلاق والقيَم، وابتلاء المجتمع، وعالم المهن والأعمال، بالمعاصي يبرز اسم الدكتور عادل أبو عاصي، طبيب الأطفال الذي تميّز على مدى أكثر من نصف قرن بفرادته وتركيزه على العنصر الطبيعي في العلاج الوقائي والدوائي، وتحصين الجهاز المناعي للأطفال والأمهات.                          

منذ مراحل شبابه الأولى تأثّر الدكتور أبو عاصي بفكر ونهج المعلّم كمال جنبلاط، وثابر بإرادته الصلبة، ورياضته وتأمّلاته الروحية، وشغفه بينابيع المعرفة الأصيلة الصافية، على مواجهة النزعة المادية النفعية الجارفة لدى معظم الأطباء المعاصرين، وكارتيلات ومافيات الأدوية.                          

لقد استطاع د. أبو عاصي، ورغم الحملات المتجنية والفبركات المنسوجة حوله من قِبل مدّعي المدنية والعصرنة الزائفة، وبعض الأطباء المتواطئين مع سماسرة الأدوية وتجارها، أن يختطَّ لنفسه في الحياة نهجاً إنسانياً وأخلاقياً رفيعاً انسحب على أساليب اعتمدها في ممارسته مهنة طب الأطفال، والتي تحمل "جينات" نهج حياته الأخلاقي والإنساني. ودأب الدكتور أبو عاصي على اختبار أساليبه الوقائية و العلاجية انطلاقاً من فهمه لطبيعة الإنسان كجزءٍ من نظام الطبيعة يتعافى بتوازنها ويعتلّ باختلالها،  واستنبط علاجاته الدوائية وفق هذه القاعدة.

وعلى مدى أكثر من نصف قرن، أجيالٌ عديدة من الأطفال والأهالي أسعدها حظّها وقدُرها بوجود  الدكتور أبو عاصي، وهو الذي كان دائماً شديد الحرص على تطبيق منهجه الوقائي قبل الدوائي،  مستنداً إلى نهجه الإنساني والأخلاقي. 

اليوم، ومع رحيل الدكتور عادل أبو عاصي، ينتاب كثيرين مِمّن تعوّدوا عليه، وأحبّوه، وآمنوا به، شعورٌ عميقٌ بالحزن والأسى، وإحساسٌ بفراغٍ  كبير يصعب ملؤه، ومع ذلك يبقى الأمل أن يلقى إرثه الإنساني، والعلمي الغنين الاهتمام الذي يستحقّه لكونه يمثّل أنموذجاً جديراً بالدراسة والبحث لاحتوائه خبرات، وتجارب متراكمة وقيّمة على مدى أكثر من 50 سنة، والتي يُمكن أن تساهم في تصويب أساليب علاجية ووقائية، وفي إعادة التوازن لمجتمعٍ بات يعاني من اهتزازاتٍ خطيرة  ناتجة عن اختلالات أخلاقية وإنسانية كان كمال جنبلاط، وقبل زمنٍ بعيد، قد استشرف معالمها ونتائجها وثابر الدكتور أبو عاصي من بعده على التحذير من أخطارها، واختبار سُبُل العمل على مواجهتها.

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".