انعكاسات الحالة الإيرانية بعد "كورونا" على لبنان والمنطقة

فوزي أبو ذياب |

منذ سقوط النظام في العراق عام 2003، مع الاحتلال الأميركي لبغداد، استعاد مشروع تصدير "الثورة الإيرانية" موقعه، مستفيداً من الحروب والنزاعات، والصراعات المتراكمة، مستغلاً تغذية الخلافات الدينية، والإثنية، والعرقية، والثقافية، والحضارية، والسياسية، والعقائدية، بين شعوب المنطقة والاستثمار فيها. وبالتالي فإن الأزمات تُعتبر البيئة الملائمة لحياة المشروع الإيراني، ونموّه، وتمدّده على المستويين الإقليمي والدولي. فكل تصعيدٍ وتوتر يصبّان في خانة إيران. وكل استقرارٍ، واتّجاهٍ نحو الاستقرار والازدهار الاقتصادي يحدّان من اندفاعة المشروع الإيراني، ويخفّفان من ديناميته وظروف نجاحه.

في العام 2005 تمركزت القوة الإيرانية في عواصم مثل بيروت، ودمشق، وبغداد، وصنعاء. ومنذ العام 2008، وعلى وقع التمهيد للمفاوضات الدولية حول الملف النووي الإيراني في مجموعة دول (5+1)، وفي ظلّ استراتيجية الانسحاب الأميركي من العراق والمنطقة، والتي أطلقها الرئيس السابق باراك أوباما، نجح حلفاء إيران في السيطرة على القرار السياسي لتلك الدول بمباركةٍ أميركيةٍ، تُوجَّت بتوقيع الاتفاق الإيراني النووي في حزيران 2015.

عام 2016، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب البيت الأبيض محصّناً باستراتيجيةٍ مناقضةٍ لسلفه، فضاعف العقوبات الاقتصادية على إيران وانسحب من الاتفاق النووي، وأعاد تمركز قواته العسكرية في المنطقة، وحدّد شروطه القاسية للتفاوض مع إيران، وأهمّها وقف تدخّل طهران في شؤون دول المنطقة، ووقف إمداد الميليشيات الموالية لها بالسلاح، ووقف تطوير منظومة الصواريخ البالستية، ووقف التخصيب النووي.

نهاية العام 2019، وعلى وقع العقوبات والأزمات الاقتصادية المتفاقمة، انفجر الشارع الإيراني غضباً بوجه سياسات حكومته، وانطلقت ثورة الشعب العراقي، وعمّت التظاهرات شوارع بيروت، فاستشعرت إيران الخطر المحدق بها، متهمةً واشنطن بالوقوف خلف تلك الانتفاضات؛ كما نجحت واشنطن في توجيه صفعةٍ قويةٍ لإيران باغتيالها قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، ورفيقه أبو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد الشعبي العراق، كما أوقعت إيران نفسها في أخطاءٍ عسكرية قاتلة، إذ أسقطت طائرة مدنية فوق أراضيها في استعراضٍ فاشل لقوتها الصاروخية. وكرّرت الخطأ ذاته قبل أيام في مناورةٍ عسكرية قبالة بحر عمان، إذ أصابت نيرانٌ صديقة بارجةً حربية إيرانية موقعةً مَن عليها بين قتيل وجريح.
وفيما تزامنت الانتخابات التشريعية الإيرانية مع بدء انتشار فيروس كورونا خارج دولة المنشأ، تعاملت السلطات الإيرانية مع هذا الوباء القاتل باستهتارٍ، وإنكارٍ، وإخفاءٍ للمعلومات، ما ضاعف من انتشاره في المحافظات الإيرانية، وفي انتقاله إلى دول الجوار من خلال الزيارات السياحية إلى المراقد الدينية، لا بل كشفَ انتشار كوفيد 19 هشاشة النظام الصحّي الإيراني، وفشل السلطات الداخلية في استعادة الثقة بينها وبين شعبها.

يتوقّع العديد من الخبراء، أن تفرض جائحة كورونا أجندتها على الكثير من الصراعات والنزاعات العسكرية في المنطقة، وأن تؤدي إلى تبريد الكثير من الجبهات المشتعلة، وإلى عقد الاتفاقات والتسويات من أجل التركيز على الخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تسبّب بها الوباء. فمعظم دول العالم ستكون في حاجةٍ لمزيد من الاستثمارات، وبالتالي الاستقرار السياسي لتأمين النمو الاقتصادي ومشاريع التنمية، وهو ما سيُجبر إيران على دفع أثمانٍ باهظةٍ سياسية وعسكرية مقابل تكيّفها مع الواقع العالمي الجديد. وقد بدأت مؤشّرات التراجع الإيراني تظهر في العراق، حيث نقطة التحول الاستراتيجية في المنطقة. وقد تمثّل ذلك في إبعاد حلفاء طهران عن المراكز الأساسية الأمنية والسياسية في السلطة التنفيذية الجديدة مع تولّي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة الجديدة، وزمام المبادرة السياسية. إضافة إلى ذلك بدأ وهن القوة العسكري الإيرانية في سوريا ينكشف مع تضاعف الغارات الجوية الإسرائيلية المتلاحقة على مواقعها، في ظلّ تحولٍ دراماتيكي للسياسة الروسية في سوريا، من التمسّك ببشّار الأسد نحو التمركز الروسي في سوريا، والإمساك بزمام السلطة السياسية، والعسكرية، والأمنية، على حساب الدور الإيراني.

ومما لا شكّ فيه أن الارتباط الوثيق للبنان بالمشروع الإيراني منذ العام 2008، والذي ازداد تماسكاً مع دخول مقاتلي حزب الله في الحرب السورية لمنع سقوط النظام منذ ربيع العام 2013، ستكون له تداعيات خطيرة على أمن واستقرار لبنان الاقتصادي والاجتماعي، وأن سياسة النَفَس الطويل، والرقص على حافة الهاوية التي تعتمدها إيران، سوف ترتد سلباً على بلاد الأرز. فتداعيات الحالة الإقليمية ليست ممسوكةً من كلا الطرفين (الإيراني والإسرائيلي) وفق مقياسٍ محدّد، وأنّ الفعل وردّ الفعل يُمكن أن يولّد فِعلاً لم يكن بالحسبان مسبقاً، فيما لو تجاوزت ردود الفعل حدود العقلانية، أي كما هو الحال في امتصاص الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سوريا دون الردّ عليها.

لكن تصاعد مستوى التوتر، واستمرار الضربات الإسرائيلية إلى الحد الذي قد يُنزل خسائر كبيرة وفادحة، وغير قابلة للاحتمال، قد يتسبّب برد فعلٍ إيراني انطلاقاً من سوريا أو من لبنان، وهو ما يوفّر فرصةً لإسرائيل بالرد القاسي على إيران وميليشياتها في سوريا و/أو في لبنان، وبالتالي قد تنتقل ساحة المعركة مجدّداً إلى لبنان الذي سيدفع ثمناً غالياً كدولةٍ، وجيشٍ وشعب، وفق ما يعلنه قادة الكيان الإسرائيلي بشكلٍ متواصل.

سؤالٌ آخر فرضته تطورات الحالة اللبنانية الراهنة، لا سيّما بعد الموقف الأخير للسيّد نصرالله حول شروط البنك الدولي، فهل يستطيع حزب الله، أمام حالة الانهيار المالي والاقتصادي، وازدياد معدلات البطالة والفقر في لبنان، التمسّك بسياسته المتشدّدة؟ وهل باستطاعته إدارة الأزمة المالية، وإدارة الأزمة السياسية، دون تقديم تنازلاتٍ باتت ضرورية، في الوقت الذي تقدّم إيران فيه التنازلات الإقليمية؟ وهل بإمكانه مواجهة الشارع، الذي بدأ يتحرك بشكل منتظمٍ ومتصاعد، في مواجهة السياسات الحكومية؟

الأمر بالغ الصعوبة والتعقيد، ولا يحتمل التهويل. وقد تدخل البلاد في سيناريوهات خطيرة إذا لم يستشرف القيّمون على السلطة مجريات الأحداث، وتطوراتها، وتحولاتها على الساحتين المحلية (اقتصادياً واجتماعياً) والإقليمية من البوابتين العراقية والسورية، كي لا نكون كَمَن يسير إلى المجهول مغمض العينين، محاولاً تلمُّس الفراغ في يديه علّه يمسك بشيء يهديه.