خطة اقتصادية!

فيصل مرعي |

فيما الأوضاع المالية والاقتصادية تتفاقم يوماً بعد يوم، وفيما البلد على قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، جاء من يُتحفنا بخطةٍ مالية- اقتصادية غير واضحة المعالم. خطةٌ ليس فيها ما يُعيد الأمل بإخراج لبنان من أزماته وعثراته، فكان أن مُنيَت بالفشل قبل أن تُبصر النور، وهو ما أجَّج الصراع بين السلطة وكل مكوّنات الشعب، وما أدّى إلى فقدان الثقة، سيّما وأن هذه الخطّة لا تمتّ بصلةٍ لا للديمقراطية السياسية أو الاقتصادية، ولا الاجتماعية بشيء، فراحت تنهال عليها الانتقادات من كل حدبٍ وصوب، لا سيّما من قوى سياسية حليفةٍ للحكومة غير مُقتنعة بأدائها، ما عدا أداء أحد وزرائها الذي أبلى بلاءً حسناً. زد على ذلك ما قامت به قطاعاتٌ اقتصادية جهاراً رفضاً لمضمونها ترافقاً مع ما هناك من شكوكٍ حول إمكانية تطبيقها، وخصوصاً إذا ما أحجم صندوق البنك الدولي، والدول المانحة، عن ردْف لبنان بالأموال والمساعدات المشروطة بإصلاحاتٍ سياسيةٍ، واقتصاديةٍ، كان الشعب، ولا يزال، ينتظرها بفارغٍ من الصبر.

فالمراقب والناظر تاريخياً لِما سبق من خططٍ اقتصادية، يرى أن ما من خطةٍ إلّا وكان مصيرها الفشل الذريع بسببٍ من هذا النظام القائم على الطائفية، وهذه الديمقراطية المشوّهة، وبسببٍ من هذا التراشق السياسي، ماضياً وحاضراً، وما يُخيِّم على البلاد من أجواءٍ اتّسمت بالمشاحنات، والتجاذبات، والصراعات على المغانم والمكاسب، وهو ما أوقع لبنان في غياهب أزمات ما زلنا نعاني منها حتى الساعة.

ولو كان البعض ممن اعتلوا سدّة الحكم يتعاطون بالملف الاقتصادي- الاجتماعي بروح المسؤولية، وبذهنيةٍ متطورة، وبعيداً عن المصالح، لكنّا أوقفنا هذا النزف، ولكان لبنان اليوم في مقدمة الدول النامية والمتقدّمة.

السؤال: هل سيُكتب لهذه الخطة النجاح؟ وهل ما ورد في مضامينها يُؤشّر على ذلك؟ لا. لا، ليس في المدى المنظور ما يدل على مسار هذه الخطة بالاتّجاه الصحيح، وذلك بسبب أن الأزمة هي أزمات نظام، وبسبب أن قوى سياسية، أشبه بحفائر التاريخ، لا تريد الامتثال لإرادة الشعب، وهو ما حمل الشعب على غسل يديه من خطةٍ أدارت الظهر للطائف، وتوازناته، ونصوصه، لا سيّما لجهة النأي بالنفس، وتعزيز الوحدة الوطنية، والقيام بإصلاحاتٍ تنسجم وتطلعات الشعب، وفي مقدّمها إصلاح القانون الانتخابي، كما نصّت عليه وثيقة الوفاق الوطني، وذلك بعد إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية. وفي حال عدم الالتزام ببنوده ونصوصه، فإن ذلك قد يجعل كل مكوّنات الشعب في حلٍ من بعض ممثليه. عندئذٍ قد يصبح الوطن فاقدَ السيادة، وفي عداد الدول الخارجة على الشرعية الدولية. واذا لم تتضمن الخطة هذه العناوين وتطبيقها اليوم قبل الغد، فإن ذلك يعود بالجميع إلى ما لا تُحمد عقباه. فلبنان لن يستطيع الخروج من أزماته، لا سيّما الاقتصادية منها، إلّا بعملية إصلاحيةٍ جذرية، تكسبه منها ثقة الرأي العام والمجتمع الدولي، اللّذان لم يُقصّرا يوماً في مدّ يد العون للبلاد في حال احترام الدولة لعهودها ومواثيقها، خاصةً وأن هنالك دولاً غرقت في أزماتٍ اقتصادية كان لها نصيبٌ كبير من الدعم يوم قامت بالإصلاحات المطلوبة. وما لم تتضمن هذه الخطة، مثلاً، إصلاح الواقع الحكومي، واستعادة الأموال المنهوبة، ومحاربة الفساد، واستقلالية القضاء...، الآن قبل الغد، فتلك ليست بخطةٍ صالحة، إنما ستكون كلاماً بكلام، لا غير.