نكسة حزيران

د. قصي الحسين |

  كان عام 1967، عام الحزن. دخلت إلى قاعة امتحانات دار المعلمين، في أبي سمراء، في المبنى المخصّص للبنات، لتقديم مادة الأدب الفرنسي، للسنة الثانية. كانت الساعة السابعة من صباح الخامس من حزيران العام 1967.
 كانت هذة المادة، عطب دراستي. كنتُ أخشاها جداً. لأنني، لم أوفّق،  طيلة سنواتي الدراسية السابقة، بأستاذٍ يحسنُ قيادتي للنجاح والفوز بها.
 بدأت الامتحان بها. وخرجتُ بعد ساعتين من القاعة مدوخاً. عرفتُ مسبقاً انهزامي أمامها.
 لم تكن خسارتي في هاتين الساعتين، خسارة واحد. بل خسارة أمة. 
 كنتُ أشعرُ بعمق الإلتزام بأهلي وعائلتي. وأن فشلي يُعدمني منحة الدراسة التي أعيل بها عائلتي وشخصي. كان والدي يأتي إليّ آخر كل شهر ليأخذ مني ستين ليرة ويترك لي أربعين أدفع منها عشرين، أجرة غرفتي، وأعيش على تسعة عشرة ليرة طيلة الشهر. مَن يصدّق. لأن الليرة المتبقية من المئة كان يقتطعها المحاسِب، الأستاذ سعدي ضناوي، الدكتور والزميل لاحقاً، لصندوق الدار.
 وقعت المصيبة على رأسي في السابعة صباحاً من حزيران العام 1967، وخرجتُ من القاعةِ، محطماً، في التاسعة، بعد ساعتين. استغرقت الحرب ساعتين فقط لتكسير عمري الذي يناهز العشرين.
   كنت أسمع المراقبين في الغرفة يتحدثون عن  حربٍ وقعت، وعن طيران العدو المُغير على مطارات الجمهورية العربية المتحدة، ويباغتها ويكسر أدراجها، منذ الساعة السابعة. وعندما خرجتُ من القاعة أجرّ أذيال الخيبة، كانت عائلتي ورائي تجرّ أذيال الخيبة. وكانت الأمة العربية، ورائي، تجرّ أذيال الخيبة. تحطمت مدراج المطارت كلّها خلال ساعتين.
 تماهى حطامي، مع حطام أمتي، في برهة التحطيم الجماعي، في السابعة من صباح الإثنين، في  الخامس من حزيران. شعرتُ، وأنا لا أزال في أرض الملعب، أن عائلتي كلّها معي، تتساقط من أثوابي تهرّ كما يهرّ العشب اليابس من ثوبي. وأن أمّتي كلها تتساقط أيضاً من وجهي. تهرّ منه كما يهرّ العمر والدمع من عيوني.
 كان وجهي وجه مهزومٍ يخرج من القاعة. وكانت أذيالي أجرّها معي. لم أعد أحدّق في وجه أحدٍ من الزملاء الفرِحين الموفّقين في المسابقة. كنتُ أنتبه بحزنٍ شديدٍ أتلمظه وأنا منكسر الرأس، إلى ظلّ ثوبي الأسود المتهدّل على الأرض، لفرط الخيبة، في قاعة الإمتحان.
  كنت أتوارى من سوء ما بُشّرت به منذ تلك اللحظة. شعرت أن مسابقة اللغة الفرنسية، طفلة موءودة. وأدتُها بيديَّ النحيلتين في أرض الامتحان. وشعرتُ أن قضية أمّتي وأدتُها بذات اليدين في أرض الامتحان. كنتُ حقاً مجموع حزنين معاً في برهة أصابت مني مقتلاً.
 خسرتُ سنةً دراسية لعلامةٍ لاغيةٍ لنجاحاتي كلها. وطارت من يد أبي "منحتُه" الدراسية، فبكيت. حقاً بكيت. وظللتُ أبكي عاماً كاملاً، في حرب استنزافٍ حقيقية. 
  كنت وأنا بـ بلبال مما جرى لي من صيفٍ حزين، ومن عودةٍ حزينة إلى الصفّ بلا منحة، أرى  جدّتي، "أم مصطفى"، تقف خلفي، تهمس في أذني: "لا تحزن إن الله معنا". تُمسك بيدي وتتقدّمني بخطواتها المتعثرة في سنّ السبعين، إلى زاوية "الليوان" أو الإيوان، من دارنا في مشتى حسن، والذي بناه جدّي لعروسه. وتنشل من عبّها ثماني ليرات ذهبية. حميديّات ومجيديّات، تضعها في جيبي، وتخيط عليها ب"الميبر"، وتقول: أعِد صفّك يا ستّي... 
  بكيتُ من تلك العجوز العنيدة على الصبر والقهر، بعد موتِ جدي بعشرين عاماً. كانت لا تزال تحتفظ بذهبه وذهابه في ثوبها، وكأنّه أمامها.
  عدتُ إلى صفّي كرةً أخرى. وضعتُ خطتي لاستنزاف وقتي كلّه في دراسة اللغة الفرنسية. لا أحمل معي، أينما توجهت، إلى ساعة الرياضيات، وساعة العلوم، أو ساعة علم النفس، ودروس الفلسفة، إلّا كتبَ الأدب الفرنسي. عرفتُ عدّوي الحقيقي، الذي ألغى نجاحاتي كلها، بعلامةٍ لاغيةٍ منه.
 كان تدرّجي بين رفاق الصف الثلاثين، الأول عليهم. وكان تدرّجي، بين رفاقي التسعين من الشعب الثلاث، الثاني أو الثالث. 
 كنا نتزاحم، "ماريو دابلي" من كفر عقّا، و"شفيق خوري" من شدرا، و"إلياس الزغبي" من بزيزا، على المرتبة الأولى. 
  لم أكن أحسب حساباً للسقوط المدوّي. ولم أحسبها جيداً. تلك الخسارة أمام العلامة اللّاغية، وهي5/20، تلغي نجاحاتي المتفوّقة كلها. تشطبها من عمري، بكل عتوٍ وبكل عنف. غضبَ عليّ الأستاذ وهبي، الدكتور لاحقاً، مدرّس مادة الفلسفة وعلم النفس "غضبةً مضريّة". ألزمني أن أتقدّم  بطلبٍ حرٍ لامتحانات البكالوريا- القسم الأول. قال لي: قف من جديد، وكفّ عن البكاء، وكفكِف الدمع. تعال معي بقوة، بلا حزن، إلى الدروس الخصوصية. اخلع نعليك لامتحانات البكالوريا، وكأنك في "وادي موسى".
 كان الأستاذ موسى وهبي، الدكتور لاحقاً، كما قلت، يعرف عمق النكسة الحزيرانية التي حطّمتني.  يعرف مطر حزيران الذي أصاب أعماقي. أمسكَ بيدي بكل قوة. عصَرها عصراً حتى خرج الخوار منها، فعادت إليّ عزيمتي في إعادة الصف، وفي التسجيل الموازي الحر، في الصف الجديد للبكالوريا- القسم الأول.
 خضتُ حرب الاستنزاف، بكل قوة. كنت أنام على كتُبي، والألم يذبحني لشدة "العلامة اللاغية" في حياتي، والتي أصابت مدارجي، مع مدارج الطيران في أمّتي، صبيحة الخامس من حزيران. 
 تخرّجت في الصيف الثاني، بعد عام، بشهادتين: عبرتُ إلى السنة الثالثة في دار المعلّمين، بكل تفوّق. وعبرتُ إلى القسم الثاني من شهادة البكالوريا/ الثانوية العامة، بعلاماتٍ عالية. وصارت "العلامة اللّاغية" جرحاً عميقاً، مثل نكسة حزيران.
 كان العبور عظيماً. كان فتحاً للدراسات الجامعية، التي ما كنتُ أحلمُ بها، بمانعٍ قانونيٍ ثابتٍ من الشهادة التعليمية، والذي أُلغيَ فيما بعد، وهي التي لا تسمح لحاملها بالحلم بالدراسة الجامعية.
  عبرتُ "خط بارليف"، الذي أرسته النكسة في صيف العام 1968، قبل عبور الأمّة في حرب تشرين العام1973. 
  كان العبور عندي تحرّراً من الأعباء المادية. وكان عبور الأمّة للقنال تحريرياً من عار النكسة. 
  وتخرّجت في العام 1969، وبيدي سلاحان: وظيفة مدرس في مدرسة طيرفلسيه الرسمية شرقي صور، ملتحقاً بها في 1/10/1969، وأمامي الصف، والدرس، وبئر الحزن، تحتي.  كنت أعرف أني على مصطبةٍ فوق بئرٍ قديم.
 كنت أمضي ساهراً فوقه أمام باب منزلي الجديد، أدرّس "عباس" على مصطبة بيته، أمام البئر، وأضع إلى جانبي، كتابي الجامعي.
   كان عباس شاباً، لا طفلاً. أبناء القرى يولدون رجالاً، وعلى أبواب المدارس يتأخرون عن العلم، لفاقة العمل، وعسر لفافة الخبز. كان يدلّني، على الدرب، التي يسلكها الفدائيون، إلى تلال فلسطين لتحريرها من الأعداء الغاصبين. 
 كان يدلّني على آثار أقدامهم على الدرب. كان يقول لي: هنا تعثّر أحد الفدائيين، برشاشه وجعبته، وتدحرج إلى عمق نهر الليطاني، قبالة "الزرارية". (لم يكن هناك جسرٌ بين الضفّتين ولا ما يحزنون). نزلَ إليه جماعتنا، وانتشلوه، وحملوه إلى بيتنا، في غياب أبي عنّا للعمل في الكويت، لتنفق أمّي علينا.
 اهتمّت أمي بعباس كثيراً. وجدتُه من عمري. وكان يشبهني كثيراً. نظرت إليّ، وقالت: الفقراء يشبهون بعضهم بعضاً.
   وبعد انصراف "عباس" في آخر السهرة، أنصرفتُ أنا، لإعادة سماع أغنية لا أحسنُ غناءها لوديع الصافي: "إديشني صحبة أنا وهالبير
 عتاء نحنا من زمان كتير
 غماء غماء شوفي سرار مطوية.
 نظرة عتاب وحب ومشاوير".
    منذ ذلك اليوم، كان الفدائيون يعبرون معي أيضاً. يسيرون في الليل، إلى فلسطين. وكنتُ أقرأ في وجوههم الصفحات المتبقية من النصر على الهزيمة، وبعدها على النكسة. 
 وكنتُ أردثّد مع الشاعر محمود درويش، في قصيدته "الرمادي":
  النيل ينسى، 
 والعائدون إليكِ لم يصلوا
 هناك حمامتان، 
 ورحلة أخرى، 
 وموت يشتهي الأسرى". 
 كنت أسهر حتى يتحصحص الفجر. أطوي دروسي، وجروح نكستي، ونكسة أمّتي، وأقرأ في عينَي "عباس". يدلّني على طريق المقاومة. يمسح خطواتهم عن عشب الجنوب، ويقيس بقدمه أقدامهم، ويمتحنُ بعينه عيونهم، ويسائل نفسه: هل يكبر مثلهم، يريد عبور الليطاني، وعبور القنال، وعبور الصف، مع الفجر الجديد. أمّا أنا فكنتُ أردّد مع الشاعر خليل حاوي كمدرسٍ عنيد:
"يعبرون الجسر في الصبح خفافاً، من كهوف الشرق
 من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد،
 أضلعي امتدّت لهم جسراً وطيد".
 

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".