خطة "الإصلاح المالي".. الزواج المستحيل بين هونغ كونغ وهانوي

07 أيار 2020 14:23:00 - آخر تحديث: 07 أيار 2020 14:57:31

مع الإقرار بالتشوّهات البنيوية والظرفية للنموذج المالي اللبناني، ثمة من يعتقد بأن ضعف سلطة الدولة، وعدم قدرتها على بسط سيطرتها على المرافق البريّة، والبحريّة، والجوية، بالإضافة إلى عزلة لبنان في السنوات الاخيرة عربياً ودولياً، يشكّلان السبب الرئيسي لاقتراب هذا النموذج من حافة الانهيار والإفلاس على المستويات كافة، وبالتالي لا بدّ من استعادة الدولة لسلطتها، وذلك كمقدمة لاستعادة الثقة على المستويَين الداخلي والخارجي، والمباشرة بإصلاحات بنيويّة وهيكلية تحت إشراف ومراقبة المؤسّسات المالية الدولية، وفي مقدمها صندوق النقد الدولي. 

انطلقت خطة الحكومة للإصلاح المالي من تفسيرِ مختلفٍ للمأزق الحالي، حيث اعتبرت أن "مشكلة النموذج المالي تكمن في اعتماده على تدفّق الأموال الخارجية، والتي تشجّعها أسعار فوائد تتجاوز  أسعار أسواق الأموال كافة، بالإضافة إلى عدم استثمار هذه الأموال في الاقتصاد المنتِج". 

حدّدت الخطة، بناءً على هذه القراءة، مكامن الخلل في هذا النموذج "بالسياسة النقدية لمصرف لبنان، وهندساته المالية، وبسياسة قطاع المصارف"، الذي قام بتمويل احتياجات موازنة الدولة منذ العام 1993، وتأمين الفجوة التي تمثّلت بعجز الموازنة الذي بلغ في العام 2020 نسبة 13% من الناتج المحلي. وانطلاقاً من هذه القراءة المتحلّلة من أهمية بسط سلطة الدولة على أراضيها، تبنّت الخطّة إعادة هيكلة ميزانية مصرف لبنان، وهيكلة قطاع المصارف، بحجة الخسائر المتراكمة، وحجم القطاع الذي يتجاوز، برأي واضعيها، حجم الاقتصاد الوطني، وهذا أمرٌ مستغرب. كما تبنّت الخطة أيضاً إعادة هيكلة الدين العام على حساب 2% من المودعين، وبينهم عددٌ غير قليل من رجال الأعمال من الكويت، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، الأمر الذي سيفاقم من عزلة لبنان العربية، ويطرح علامات استفهام كبيرة حول إمكانية استمرار المملكة العربية السعودية، ودولة الكويت، بالتزاماتهما في مؤتمر سيدر، والتي تقدّر بحوالي مليار وسبعمائة مليون دولار أميركي، وذلك في الوقت الذي تصادر فيه أموال مواطنيهما الموجودة في المصارف اللبنانية. 

من الواضح أن الخطة قد اعتمدت إعادة بناء سياسةٍ اقتصادية، ومالية، ونقدية، جديدة مبنيّة، أكثر من أي وقتٍ مضى، على توجّهاتٍ ليبرالية تتوافق مع متطلبات التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وتأمين التمويل الخارجي لإعادة إنعاش الاقتصاد. فكان الإقرار بحاجة لبنان إلى دعم صندوق النقد لمعالجة الاختلال في ميزان المدفوعات، وتأمين استيراد الحاجات الأساسية بحوالي 10 مليارات دولار على مدى السنوات الخمس القادمة. وكذلك حاجته إلى أموال مؤتمر Cedre، والذي عُقد في آذار من العام 2018، وذلك لتحفيز الاقتصاد، وإلى المساعدات التي أقرها البنك الدولي في إطار مواجهة تداعيات Covid 19. كما أقرّت الخطة الحاجة إلى التفاوض مع مؤسّسات مالية أوروبية لتأمين قروضٍ ميسرة للقطاعات الاقتصادية المختلفة. 

 بالطبع، ظهرت التوجّهات الليبرالية المتطرفة في الخطة من خلال الإقرار بالحاجة إلى تحرير سعر الصرف لزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد، وذلك في غياب قدرة مصرف لبنان على التدخّل في سوق القطع نظراً لتراجع الاحتياط بالعملات الصعبة لديه، وبالتالي المجازفة بمزيدٍ من الانهيار بسعر الليرة اللبنانية وما يتبعها من تدنٍ في القدرة الشرائية للمواطن اللبناني. وقد ظهرت التوجّهات الليبرالية أيضاً من خلال تخفيض عجز الموازنة الذي ركّز بشكلٍ أساسي على تخفيض فاتورة الأجور في القطاع العام، وجعلها بحدود نسبة 9.1% من الناتج المحلي عام 2024، وتخفيض كلفة نظام التقاعد بعد إعادة النظر فيه ليصل إلى 2.2% من الناتج المحلّي عام 2024، بدلاً من التفكير بتكبير حجم الاقتصاد والناتج المحلي لتخفيض قيمة هاتين الفاتورتين. وبدلاً من تخفيض الهدر في بعض المحميّات السياسية المعروفة، والتي ما تزال تستنزف خزينة الدولة في عددٍ من القطاعات، وأهمها قطاع الكهرباء، وخطة السدود الشهيرة. ولإكمال صورة الليبرالية المتطرفة تمّ التغاضي عن اعتماد نظام الضريبة التصاعدية، والكفيل وحده بتحسين الإيرادات، وإعادة توزيع الدخل، والتخفيف من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، والتأسيس لسياسة فعلية في مكافحة الفقر الذي يبدو أنه، وبحسب توقّعات البنك الدولي سيتجاوز نسبة 50% من الشعب اللبناني. 

وبالعودة إلى السياسة الاقتصادية التي تطرحها الخطة، والتي تهدف إلى إعادة بناء بيئةٍ تنافسية وجاذبة لرؤوس الأموال، وذلك من خلال الإصلاحات والدعم المالي الدولي الذي يستند بشكل أساسي إلى كلٍ من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمؤسّسات المالية الأوروبية، وطبعاً أموال سيدر، وهو الذي يتضمّن أموالاً من دولٍ أوروبية وعربية، كالمملكة العربية السعودية والكويت وغيرهما.  

صحيحٌ أن اتّخاذ خطواتٍ لتحسين مناخ الأعمال، وسيادة القانون، وإدارة الديون، ورفع الإنتاجية، سيساعد على تحقيق معدلاتٍ مستدامة للنمو، كما تقول نائبة رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون النمو المنصف والتمويل والمؤسّسات، جيلا بازارباسيوغلو. وإذا تجاوزنا إشكالية ربط الدعم الدولي بالإصلاحات المطلوبة من الحكومة، ومدى القدرة على الالتزام الفعلي بها، أو مدى القدرة على إقناع مجلس النواب بحزمة القوانين "الإصلاحية" المطروحة، فثمة أسئلة كثيرة تُطرح حول مدى القدرة على النجاح في الوصول إلى بناء "نموذجٍ اقتصاديٍ مستدام" قائمٍ على هذه التوقّعات المتفائلة بالحصول على تمويل دولي متعدّد الأطراف، وإعادة الدخول إلى الأسواق المالية الدولية، وذلك في الوقت الذي تراجعت فيه أسعار النفط في الأسواق العالمية إلى أدنى مستوى لها في 18 عاماً، ممّا أثّر بشكلٍ بالغٍ على قدرات العديد من الدول التي تعهدت بالتزاماتٍ مالية في مؤتمر سيدر، ناهيكَ عن التزامن مع متابعة الأسواق العالمية لأحدث التطورات على صعيد مكافحة فيروس "كورونا"، والتحيّزات المالية لمواجهته، ومع قيام الحكومات العالمية بعمليات إغلاق الأنشطة الاقتصادية للحد من تفشّي انتشار هذا الوباء. 

وبحسب الكثير من توقّعات المؤسّسات الدولية ذات الاختصاص، فإنه من  المتوقّع استمرار هذا الهبوط فى ظلّ تراجع اقتصاديات الدول الغربية الكبرى. وسوف يؤدى هذا الهبوط، لا محالة، إلى أزمةٍ مالية أوسع مع ارتفاعٍ فى معدلات البطالة، والضغوط على موازنات الدولة المنتجة للنفط. 

ومن المستغرب أيضاً أن لا تأخذ الخطّة بعين الاعتبار ما تتوقعه المؤسّسات المالية الدولية، وفي مقدّمها صندوق النقد الدولي، من حصول انكماشٍ في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على مستوى العالم بحوالي 1% في عام 2020، وهو ما يفوق معدّل التراجع الاقتصادي الذي تسبّبت به الأزمة المالية العالمية عام 2008، وما أحدثته ايضاً "أزمة كورونا- أو بالأحرى سُبل مواجهة هذه الأزمة-  والتي  تضع قيوداً مادية (وليست مالية) على النشاط الاقتصادي بشكلٍ لم يسبق له مثيل في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية"، كما يقول بنك غولدمان ساكس. 

فكيف نبني آمالًا على بناء نموذجٍ اقتصاديٍ جديد مستندٍ إلى دعمٍ ماليٍ دولي، في الوقت الذي تتوقّع فيه كُبرى المؤسّسات المالية الدولية انكماشاً في الاقتصاد العالمي لم يسبق له مثيل منذ أزمة 1929؟ وكيف نبني آمالاً على تمويلٍ دوليٍ أوروبيٍ، وخاصةً في الوقت الذي تحتاج فيه أوروبا إلى ما يشبه "مشروع مارشال" في مواجهة تداعيات "كوفيد- 19" على الاقتصاد الأوروبي؟ وكيف نبني آمالاً على الالتزامات العربية في مؤتمر سيدر، في الوقت الذي يمرّ فيه لبنان بعزلةٍ عربيةٍ واضحة، وعدم قدرة الحكومة، حتى هذه الساعة، بفتح كوةٍ في هذا الجدار؟ 

السؤال الأخير الذي يطرح نفسه، وهو معطوفٌ على التفسير الذي يعيد الأزمة إلى أصلها الحقيقي، هو غياب قدرة الدولة على بسط سلطتها على أراضيها، وعلى معابرها الشرعية وغير الشرعية. وبالتالي فإن استعادة الثقة الدولية، وتأمين الدعم المالي اللّازم للخروج من الأزمة المالية، وإعادة بناء اقتصادٍ منتِج، لن يتحقق وفق هذا التفسير إلّا بالسياسة، أي باستعادة الدولة لما فقدته من سلطات، وممارسة سيادتها على المعابر كافة، وكذلك بعودة لبنان إلى حضنه العربي الحقيقي من خلال تصحيح سياسته الخارجية، وممارسة سياسة النأي بالنفس، فعلاً وليس قولاً. 

لكن، وللأسف، ثمة من اعتقد أنّه على وقع التحوّلات العالمية والإقليمية يستطيع أن يجمع بين نموذجَي هانوي وهونغ كونغ والزواج بينهما. لكن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، واستجابة الدول للدعم المالي، سوف تبلوِر النتائج قريباً، ومنها استحالة الزواج بين هذين النموذجين.