الواقع في غالب الأحيان...

06 أيار 2020 06:35:00

قال الله تعالى:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا
 إِنَّمَا نَحْنُ مُصلِحُون، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُون،
وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ...

يقول خروتشوف في مذكراته:
اتّصل بي الرفيق جوزيف ستالين، وقال: تعال إليّ بسرعة يا نيكيتا، هناك مؤامرة كبيرة...
وصلتُ، وكان يوجد معنا مجموعة من الوزراء.
وقال ستالين: يا رفيق نيكيتا... لدينا معمل إطارات (دواليب)، وهذا المعمل هو هدية من شركة فورد الأميركية، وهو ينتج الإطارات منذ سنوات وبشكلٍ جيّد. ولكن منذ ستة أشهر، بدأ هذا المعمل يُنتج دواليباً [إطارات] تنفجر بعد بضعة كيلومترات، ولم يعرف أحد السبب. أريدك أن تذهب إلى المعمل فورا،ً وتكتشف ما هو السبب.
وصلتُ المعمل وباشرت التحقيق فوراً. وأول ما لفت نظري هو حائط الأبطال على مدخل المعمل، وعلى هذا الحائط توضع صورُ أفضل العمال والإداريين الذين عملوا بجد ونشاط خلال فترة.
وبدأتُ التحقيقات مباشرةً، من الإدارة حتى أصغر عامل، ولا أحد منهم يعرف الأسباب!!..

قررتُ النوم في المعمل حتى أقوم بحلّ هذا اللغز.
استيقظتُ في الصباح الباكر، ووقفت في أول خط الإنتاج، وقمت بمتابعة أحد الإطارات (الدواليب) ومشيتُ معه من نقطة الصفر حتى خروجه من المعمل. أُصبتُ بالإحباط، وكان كل شيء طبيعياً، وكل شيء صحيحاً، وكل شيء متقن، ولكن الإطار انفجر بعد بضعة كيلومترات.
جمعتُ المهندسين، والعمال، والإداريين، وأحضرتُ المخطّطات، ثمّ قمتُ بالاتّصال بالمهندسين الأميركيين. لم نصل إلى حلٍ، أو إلى معرفة السبب. قمتُ بتحليل المواد الخام المستخدمة في صناعة ذلك الإطار، وأثبتَ التحليل أنها ممتازةٌ جداً، وليست هي السبب أبداً. والإطار انفجر بدون سبب.

أصابني الإحباط، وأحسستُ بالعجز، وبينما أنا أمشي في المعمل لفتَ نظري حائط الأبطال.
يوجد في رأس قائمة الأبطال أحد المهندسين على رأس القائمة. وما لفتَ نظري أن هذا المهندس بقيَ على رأس القائمة منذ ستة أشهر، أي منذ بدأت هذه الإطارات بالانفجار بدون سبب.
لم أستطع النوم. قمتُ باستدعاء هذا المهندس إلى مكتبي فوراً للتحقيق معه.
وقلتُ له: أرجوك، اشرح لي كيف استطعت أن تكون بطل الإنتاج لستة أشهر متتالية؟؟..
قال المهندس: يا رفيق، لقد استطعتُ أن أوفّر الملايين من الروبلات للمعمل والدولة.
قلتُ: وكيف استطعتَ أن تفعل ذلك؟؟!!..

قال: ببساطة، قمت بتخفيف عدد الأسلاك المعدنية في الإطار، وبالتالي استطعنا توفير مئات الأطنان من المعادن يومياً.
هنا أصابتني السعادة الكبيرة، لأنني عرفتُ حلّ اللغز أخيراً، ولم أصبر على ذلك...

اتّصلتُ بالرفيق ستالين فوراً، وشرحت له ما حدث، وبعد دقيقة صمت قال لي بالحرف: والآن، أين دفنتَ جثة هذا الغبي؟؟..
 الواقع لم أعدمه، بل سأرسله إلى سيبيريا، لأن الناس لن تفهم لماذا نُعدم بطل إنتاج...

 في الواقع...
ليس بالضرورة أن تكون فاسداً، وسارقاً، لتؤذينا، وتدمرنا. يكفي أن تكون غبياً.
وأحياناً يوضع أغبياء في مواقع مهمة، ونُبدع في تكريمهم، والبلد ينهار أمام الجميع...

وكم هي الأمثلة في بلدي.
ومن الأمثلة القديمة يقولون:
أحدهم وجَد فرنكاً (خمسة قروش) مقدوحاً [مثقوباً]، كلّفه ربع ليرة (25 قرشاً) ليصلحه.
رزق الله على أيام الفرنك، وأيام الليرة. وانشاء اللّه ما نقول رزق الله على أيام المئة ألف ليرة...

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".