سيف على صيف

29 نيسان 2020 11:48:00 - آخر تحديث: 29 نيسان 2020 14:30:34

كل المؤشّرات تدلّ على أن لبنان قادمٌ على صيفٍ يحلّ عليه السيف، كما قال رشيد الضعيف ذات  يوم. إنها معركة رئاسة الجمهورية نفسها. تطلّ كالحرب برأسها من جديد. حزم "المرشّح الأوحد" أمره. علّق سيفه في صدر الصالة. يتّصل، ويستقبلُ، ويتشاور، ويتداول. يستدعي السفراء، ويستقبلهم ويودّعهم. يشاورهم في الأمر، ويبسط لهم القول بأنه مستعدٌ لسماع رأيهم. فيدخلون ويخرجون، ولا يرون إلّا سيفاً معلقاً في صالة الاستقبال فوق كرسيه، تمهيداً للمناقشة في الأمر.

حزمَ "المرشّح الفرد" أمره باكراً. فلا مجال عنده لإضاعة الوقت. ولا همٌ يشغله غير هذا الهم.

حرّك منصّاته كلها في هذا الاتّجاه. عينه لا تهدأ، وبؤبؤ عينه لا يستقر.

نزل مبكراً إلى الساح، وقاد معركةَ العزل. يصوّب على كل من يقف في وجهه. نثرَ كنانته، وصوّب سهامه على كلّ من يشتبه به معارِضاً مشاكساً مرجئاً، لا فرق.
على الجميع الانحناء، وخفض الرؤوس، ورفع الأيدي، وإدارة الوجه إلى الحائط، والاستسلام برايةٍ بيضاء، وإلّا طالته السهام.

دخل إلى جحر الوزارات. تجوّل بحُريةٍ في دار الحكومة كأنه سيّد القصر الثالث. يركّب الملفات للخصوم، وينادي على أصحابها. يقودُ معركة العزل.

ينام ويستيقظ على وسادةٍ واحدة:  معركة الرئاسة. وبين يديه، فضة الحراب ومنصة الحرب.

قبضَ على عنقِ لبنان بيديه. إمّا الرئاسة أو الخنق. 

"أعمى رئاسة"، ولو بالعزل. ولو بالاغتصاب، ولو بالحرب. نادى على لبنان بالذبح.

سوف لن يبقى مال. سوف لن تبقى بنوك. سوف لن تبقى سوق. سوف لن يبقى اقتصاد. سوف لن يبقى رغيف. سوف لن يبقى رجال. سوف لن يبقى هواء. سوف لن يبقى ماء. سوف لن يبقى صيف.

رِجْلٌ في القصر، ورِجْلٌ في القبر. يهزّ لبنان من أركانه. يهزّ ميثاقه. ويهزّ دستوره. ويهزّ قضاءه. ويهزّ عملته. ويهزّ أمنه. ويهزّ عسكره.

يهزّ كلّ تعهدٍ، وكلّ اتّفاق وكل عقد، وكلّ إبرام. وكل صداقة، وكل شيمة، وكل احترام.

يحرق أوراقَه قدّام عينيه. ويحرق مركبه بين الأمم. يحرق لواءه، ويحرق شراعه، ويحرق شرعته.

نادى على لبنان: لا مدارس بعد اليوم. لا جامعات بعد اليوم. لا حياة بعد اليوم. فإما القصر، دون العالمين، أو القبر.

رجل في الشرعة. ورجل في الشارع. يقود المعركة. يسابق الريح.  يقدح الشرر تحت رجليه. يعلنها حرباً حتى الجنون. ويشعلُ النار في الدارات. 

يجرّ لبنان من ذقنه. يكّبه للتو. يثور، يدور، يحور، ينبش الخزائن. يحرق الدفاتر. يحرق المراحل، ويصيحُ على لبنان من جديد: إمّا القصر وإما القبر.

عيونه تقدح شرراً. يطير الغضب من وجهه: رعدٌ وزمجرةٌ، وتهويل. ولعابٌ يسيل على كعكةِ العصر والقصر.

الناس بعضٌ من بعوض. وبعضٌ يموت. أغلق على لبنان بالظلام. سدّ أبوابه والنوافذ. أسدل على شمسه بأردية سود. خبّأ تحتها الخنجر المسموم. ونادى على الساحات والشوارع: نزل القتيل إلى القتيل. أشعل الفتن:

ثارت المدينة على المدينة. ثارت العاصمة على العاصمة. ثارت الضواحي على الضواحي. ثار الشعب على الشعب، وحل السيف على الصيف.

يا للثارات ويا للجراحات. يا للأموات. عاد لنبش القبور من جديد. 

عاد حفّاراً للقبور، "ابن بجدتها". ينادي من فوق المنصات على العزّل، أو النزال للساحات.
 يقول بأعلى صوته: 
نعم يا حُنين، هكذا حلّ فينا

اشتياقٌ يشدّ اشتياقاً دفينا

لبنان ربما يعلّق على خشبة من جديد. لكنّه، عهداً قطعه على نفسه، وقد حلّ السيف على الصيف: لا يعطيه قصراً، بل يخبّئ له بعد ثلاث سنين، "خفَّي حُنين".


(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

*هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".