قراءة في العقل المتحكّم بالبلاد

24 نيسان 2020 10:00:00 - آخر تحديث: 24 نيسان 2020 10:04:04

يستسهل بعض المراقبين إطلاق صفة الإنكار على المهيمنين على القرار داخل قيادة التيار الوطني الحر، والعاملين في الدائرة الصغرى المحيطة برئيس الجمهورية. إن صفة الإنكار لا تبدو مطابقة لنهج عمل هذه المجموعة الحالمة بإعادة عجلة التاريخ إلى ما قبل مرحلة الطائف، والفوز بعهدٍ رئاسيٍ جديد بعد أقل من ثلاث سنوات، مستفيدةً من قوة حزب الله الشعبية والعسكرية، ومن الرضى التام للمحور السوري- الإيراني على المنحى الذي فُرض على السياسة الخارجية، فأخرج لبنان فعلياً من محيطه العربي.

إن الإنكار يبدو محصوراً بالجمهور العوني العريض. لكن الإحساس بخطورة الأوضاع على مختلف الصُعد السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، مقيمٌ في عقل هذه القيادة، وهو يفسّر طريقة التعامل مع أصوات الاعتراض السياسي والشعبي، كما يوضح التعليمات والتعاميم التي توجّه إلى قواعد التيار.

إنهم لا يكفّون عن ترداد مقولة تركة العقود الثلاثة الماضية، كما لو أنهم يدخلون نعيم السلطة للمرة الأولى. يتهمون الجميع بعرقلة مشاريعهم الإصلاحية، ويتناسون أنهم الآمر الناهي في الملف الأول في الهدر، أي ملف الكهرباء، وأنهم مشاركون بامتياز في تعطيل عمل المؤسّسات الدستورية لفترات زمنيةٍ طويلة، سواء للوصول إلى الكرسي الرئاسي في بعبدا، أو لتحقيق مكاسب وزارية، ومحاولة الاستئثار بكافة المواقع المحسوبة على"المسيحيين".

هم يدركون ذلك تماماً، لكنهم يهربون إلى الأمام برمي التهم على الآخرين. ولمواجهة الناس المحقّين في نقمتهم على نظام المحاصصة، والهدر، والفساد. يحاولون استمالة بعض المجموعات المنتفضة عبر التبنّي اللفظي لبعض الشعارات والمطالب، دون أن يترافق الأمر مع أي خطوةٍ إصلاحية رغم إمساكهم بمقاليد السلطة.

يدرك جيداً "عهد التغيير والإصلاح" أن الاستثمار في تحريك الغرائز، واللعب على الوتر الطائفي قد أدّى، في مراحل سابقة، إلى ربحٍ أكيد في الكسب الشعبي، وشد العصب "المسيحي" بعد تضخيم حجم الخطر الوجودي من المجموعات السياسية الأخرى، والتي يصرّ التيار الوطني الحر على طبعها بالصفة المذهبية الطاغية على أغلب جمهورها. لم ينسَ قادة التيار كيف نجح اللعب على وتر "إقصاء المسيحيين وتدجينهم" في إحداث التسونامي الذي أوصلهم إلى موقع متقدمٍ في الحجم النيابي، وكيف نجح" تفاهم مار مخايل" في فتح أبواب جنة السلطة أمامهم بما فاق توقعاتهم.

انطلاقاً من هذا النهج يتوجب قراءة حملات الحقد، ونبش الماضي بطريقة استنسابية تنافي الوقائع الموضوعية والتي يطلقونها كل فترة، بدءاً من بعض نوابهم ومسؤوليهم وصولاً إلى جيشهم الإلكتروني، ومن يدور في فلكهم وهو لا يزال يعيش في ماضي التقوقع، ورفض الاعتراف بالآخر.

في مواجهة هذا الحقد الدفين، لا يوجد ردٌ مقبول سوى الرد السياسي، وأي ردٍ بكلام غير سياسي هو صبٌ للماء في طاحونة مشروعهم، فكيف إذا كان بعض هذا الكلام يكتنف تقوقعاً مماثلاً لا يبرّره أبداً الادّعاء أنه رد فعل على فعلٍ مشين.

تسقط البرامج الوطنية مرات بفعل أناسٍ يدّعون الدفاع عنها فيتصرّفون بعكس روحيتها، ويقدّمون بالتالي خدماتٍ جلّى إلى خصومهم المفترضين. إن أوضاعنا الكارثية تفرض علينا رصاً للصفوف وراء برنامجٍ إصلاحي تقدمي ووطني لا يغضّ النظر عن أخطاء المرحلة السابقة، ولا عن المسؤوليات، أياً كان حجمها، لكنه في نفس الوقت يفتح الأبواب على مصراعيها للتلاقي مع كل القوى التغييرية في البلد.

(*) نائب رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي