منظومة الفساد من يرفدها ومن يحميها

وهيب فياض |

إن منظومات الفساد تنشأ وتتطور بسرعة قياسية في الحالات الموصوفة، وخصوصاً حالات إعادة إعمار البلدان بعد الكوارث والحروب، وحالات ضعف الدولة، بوجود منافس أو رديف لا طاقة لها على إخضاعه بقوة القانون، فكيف إذا اجتمعت الحالتان. 

من المؤكد أن الاستدانة بدأت منذ تكليف الرئيس الشهيد رفيق الحريري لبنانياً واقليمياً ودولياً بملف إعادة إعمار لبنان. ولم يكن من بديل عن الاستدانة آنذاك، ولكنها استندت إلى دعامتين: 
الأولى دعامة الثقة بلبنان ذي الموقع الجغرافي المميز على ساحل المتوسط، وهو صاحب التاريخ الطويل من النجاحات على كل الأصعدة، وأهمها القطاع المالي والمصرفي. 
والثانية: دعامة الثقة العالمية بشخص الرئيس الحريري وقدرته على إنجاز الملف وجذب الاستثمارات، والإيفاء بالالتزامات. 

وفوق ذلك، فإن الدور المعروف للبنان كبلد سياحة وخدمات وطاقات بشرية فكرية وعلمية وتقنية، والأمل بتحييده عن التجاذبات الإقليمية، شكّلا رافعتين للنجاح، لدعم لبنان بسخاء، ديناً وهبات. 

أما منظومة الفساد، فقد تمكنت من مفاصل البلاد منذ وصول الرئيس إميل لحود إلى الحكم عام 1998، وقويَ عودها بعد أن غذّاها النظام الأمني اللبناني السوري، تحت شعار المقاومة والممانعة. فصارت القوة العسكرية تحت هذا الشعار، رديفاً للدولة، ومنافساً لها، وأكبر من إمكانية الدولة على ضبطها. 

وبعد أن كانت مليارات الدين العام تعد على أصابع اليدين، ومع ذلك أثمرت نقل لبنان من مهدّم بفعل الحرب، إلى بلد ينبعث من الرماد كطائر الفينيق، رغم ما تسرب من هذه المليارات في ملف إعادة تأهيل الكهرباء، وهي فضيحة الفضائح آنذاك، جاءت ولاية التسع سنوات لتشهد طغيان الوكلاء الحصريين لنظام أمن الممانعة، على المكلفين بالملف الاقتصادي والاجتماعي، وامتد هذا الطغيان إلى كل المرافق، ولم يستثنِ حتى القطاع المصرفي، وأبرز تجلياته بنك المدينة. وأصبح تسيّب القطاع العام سمة مميزة لبلد يهبط بخطى سريعة على سلم تصنيف الدول الفاسدة حتى بلغ القعر أو يكاد. 

إن اعتبار كل ما تلصق عليه رقاقة مقاوم او ممانع، فوق القانون، ولا يخضع للمراقبة ولا للمحاسبة ولا للضريبة، ولا حتى لسلطة الدولة، جعل الاقتصاد الوطني، ومالية الدولة بضرائبها ورسومها وسائر جباياتها عبئاً على من لا يضع هذا الملصق، كما جعل الكثير من المناطق والمرافق عصية على الدولة، حتى ولو كانت مرتعاً للتهريب والمخدرات وتبييض الأموال وما يتفرع عنها من موبقات، وأوكاراً للمظاهر المفسدة والكاسرة لهيبة الدولة. فيما انحسرت السلطة، وتغولت على من يخضعون للقانون حتى ولو ظلمهم، ومن يرضون بسكين الدولة حتى ولو قطعت رقابهم، ومن جيوب هؤلاء سددت الدولة حسب آخر التقارير واحداً وسبعين مليار دولار من الدين وخدمته حتى عام 2018. 

ومما يزيد الطين بلة، تطييف ملفي الأمن والاقتصاد، حتى صار التدهور الاقتصادي وكأنه مسؤولية فريق دون آخر، مع ان التعطيل وفائض القوة، يتحملان الجزء الأكبر من مسؤولية انهيار الاقتصاد، واستشراء الفساد. 

أما التعمية على هوية وانتماء المسؤول عن كل ذلك، فقد وجدت ضالتها في التسمية المبهمة (الطبقة السياسية) وكأنها تشمل فريقاً دون آخر، في تزييف يدعو إلى السخرية. 
أن يكون لبنان، هانوي في جزء منه، وهونغ كونغ في جزء آخر. وأن تستمر هونغ كونغ بتحمل عبء هانوي، مع ضياع الحد الفاصل بين التسميتين، أمر يجعل المسؤولية ضميراً مستتراً، يلتبس على المواطن تقديره، وكل من جانبه يقول وجوباً تقديره هو.

كلمة أخيرة لا بد منها، هي ان تصنيف الوزارات بين سيادية وغير سيادية، واحتكار كراسيها بين الطوائف الممتازة، هو المعيار الحقيقي لتحديد المسؤوليات. كما أن الوقوف في وجه الخصخصة، هو معيار المعارضة والتمسك بمبدأ أساسي من مبادئ الاشتراكية في تملك الدولة لأدوات البيان بالخدمات العامة، أياً كان الطاقم الحاكم، في بلد اختلطت فيه مفاهيم الموالاة والمعارضة. 

كما أن جعل إعادة المهجرين اختصاصاً لأناس بعينهم، أمر يدعو إلى العجب، ثم يقال إنهم ممن أثرى على حساب الفساد، مع أنهم أنجزوا الملف بكلفة ثلاثة مليارات دولار على مدى ثلاثين سنة، وإن كان بعضه قد تسرب إلى جيوب بعض المهمّشين والفقراء من جميع الطوائف والمناطق، وهذا المبلغ يساوي دعم عجز الكهرباء لسنة واحدة، مما يذكّر بما قاله الرحابنة 
لو بيضل عا سني يأكل العصفور 

مش قد سرقة ليلي من الواوي والناطور.