أنقِذوا مرج بسري بمنع إقامة السّدّ المدّمّر

21 نيسان 2020 15:55:33

في اللحظة التي يفتّش فيها شعبنا عن لقمة العيش، في عصر الكورونا، والناس محجورة بين أربعة حيطان، طلع علينا مجلس الوزراء خلسةً، وبتهريبةٍ موصوفة، بقرار استمرار العمل في مشروع سدّ بسري! الناس اقتربت من الجوع، وهناك ملياراً ومايتا مليون دولار قيمة السد منها 625 مليون دولار في خدمة الاستعمال، وعُرف منها 130 مليون دولار استملاكات. وكلّنا على علم بأن المقاول كان قد سحب معدّاته تحت الضغط اليومي للانتفاضة، والقطاع البيئي الأهلي. بالمختصر سدّ بسري مشروعٌ غير قابل للحياة. وبعيداً عن التنظير، وبالأرقام، سأركّز على الأسباب، وتُختصر بعناوين أربعة: البيئة، التقنية، القانونية، والماليّة.

أولاً: بالبعد البيئي، والتراثي، والسياحي، والتاريخي، وادي مرج بسري يُعتبر، وبكل المقاييس، جنةً حقيقية بشجرها، بينابيعها، بشلّالها، وبآثارها التاريخية... من كنيسة مار موسى، إلى دير القديسة صوفيا، إلى أحراج الصنوبر، إلى منطقة الينابيع، إلى المستوطنات التاريخية، إلى البيوت التراثية والزراعية، إلى بساتين الزيتون، إلى الحقول الزراعية، إلى المنشآت البشرية المتنوعة: (الجسر الأثري، والمعبد الروماني، والمدافن الرومانية)، إلى أحراج السنديان، إلى الدرج الأثري، إلى المغاور الأثرية، إلى الشلالات، إلى الدرب التي مشى عليها السيّد المسيح عليه السلام. والقائمة تطول ولا تنتهي عند مساحة 6 ملايين متراً مربعاً، ممّا جعل وزير السياحة الألماني عند زيارته في الثمانينيات من القرن الماضي لقلعة بعلبك يقول عن جنّة مرج بسري هذه: لو أن ألمانيا امتلكت هَذين المِعْلَمين لأصبحت محجةً للسياحة في العالم... 

ثانياً: البُعد التقني. الأغلبية الساحقة من الخبراء الجيولوجيين أثبتوا الحقائق التالية:
1 – استيعاب السد 130 مليون متر مكعب من المياه شبه مستحيل، وخاصة بعد أن أثبتت دراسة للإسقاطات على مدى السنوات السبع الأخيرة أن هناك شحّ ونقصٌ في الأمطار، والمعدل الوسطي 70 مليون متر مكعب.

2 – المأساة الكبرى هي أن هناك 50 مليون متر مكعب من أصل مجمل المياه تلتقي في الوردانية بمياه السد، ومصدرها بحيرة القرعون ومياهها الملوّثة بامتياز. وكان قد نبّه الدكتور كمال سليم من تحوّل هذه البحيرة إلى بحيرة ميتة، وهذا هو الحال بعد التقرير التقني الصادر منذ يومين.

3 – الخبير الجيولوجي سمير زعاطيطي أكدّ بأن الفرنسيين أعدّوا مسحاً جيولوجياً بين عامي 1928 و1955 وقد بيّن بأن المنطقة منخفضة جداً، وتعرف علمياً بالانجراف الصخري".

4 – الخبير نفسه أكّد أنّه بعد حفر آبار ارتوازية على عمق 150 متراً في إحدى قرى جزين، فقد  أدّى هذا الحفر إلى انخساف الأرض، لأن الصخر كلسي والمياه عكرة .
5 – السدود الخمسة، بدءاً من سد بلعة مروراً بالمسيلحة وبسد شبروح، كلّها أثبتت فشلها لسببٍ بسيط، هو أنه لم يجرِ تقييم الأَثر البيئي لهذه السدود. وينسحب هذا الموضوع على مشروع سدّ بسري الذي انتهت صلاحية دراسة الأثر البيئي فيه عام 2016، مما يجبِرُ على إعادة دراسة الأثر البيئي. وحسب القانون يجب تجديد الدراسة قبل القيام بأي خطوة لأن العمل يصبح غير قانوني.

6 – الخبراء الجيولوجيون أكّدوا خطر الفالقَين الزلزاليين اللذين يتواجد فوقهما مشروع السد: فالق روم الذي يمتد حتى فلسطين بطول 170 كلم، وفالق بسري وطوله 7 كلم. 

في العام 1956، حصل زلزالٌ بقوة 5.6 درجات على ميزان ريختر. وفي العام1837 حصل زلزالٌ قوته 7.1 درجة على ميزان ريختر، وكان مدمراً. وفلسفة الموضوع وأهميته هي أنه بمجرد تحميل هذه المنطقة الزلزالية وزنَ 130 مليون متر مكعب من المياه، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى زلزال، وكأنك تحمل ميزاناً معداً للميلغرام وتضع عليه أثقالاً فوق الـ 10 كلغ!!!

7 – يهمّنا أن تشرب بيروت المياه شرط أن تكون هذه المياه نظيفة.

ثالثاُ: بالبعد القانوني 
إن وادي مرج بسري محميٌ بالخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية عام 2009، وهذا القانون يصنّف وادي بسري منتزهاً طبيعياً وإقليمياً.

رابعاً: يبقى العامل المادي. كما ذكرنا سابقاً فإن قيمة المشروع 1,200 مليون دولار منها 625 مليون دولار موجودة و125 مليون دولار ذهبت إلى الاستملاكات. وهنا نقول ربّ ضارة نافعة فهذه الاستملاكات أصبحت ملكاً للدولة، وتستطيع بكل سهولة تحويلها إلى محميةٍ نموذجية مثالية. ويُقال إنه توجد قساطل زُرعت، لكن هناك أفكاراً كثيرة لاستعمال هذه القساطل في نفس الأرض. أما البند الأخير ضمن البُعد المادي فهو تحويل هذه المبالغ لصالح الناس، ولدعم الناس، ومساعدة الناس بعيداً عن الحصص الغذائية، والإشاعات التي لا تليق بشعبنا، وبتاريخ شعبنا، وبوطن الرسالة.

أخيراً، وبعد هذه المطالعة الدقيقة أقولها بكل تواضع، وعلى مختلف المستويات، إذا استمروا في العمل كما يقولون فإن الناس، وشباب وصبايا الانتفاضة، لن يسمحوا بهذا المشروع، ولن يسمحوا ببناء حجرٍ واحد، وسيجرفون الذي اقترفته الأيادي حتى يرجع الوادي أخضراً بكل عظمته على مساحة 6 مليون متر مربع تسبّح الخالق عزّ وجل، وتحافظ على ما تبقّى من جمال وحلا هذا الوطن.

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود