ظاهرة شاذّة وغريبة

21 نيسان 2020 13:55:23

تدخلٌ سافر في التشكيلات القضائية يتحدّى كل النصوص القانونية المعمول بها عبر حكومة ادّعت الاستقلالية، وأسمت نفسها حكومة التكنوقراط.

ووزيرة عدلٍ كانت تجاهر منذ تعيينها بدعم استقلالية القضاء حتى جاءت لحظة المواجهة والحقيقة، فكانت أكثر المستنكفين عن ذلك. بل تفنّنت في خرق القانون وتجزئته بطريقةٍ لم يسبقها عليها أحد، وعاونها على ذلك وزيرة دفاعٍ معروفة الخلفيات السياسية، ورئيس مجلس وزراء خالف القانون في توقيعه دون أن يرفّ له جفن، ودون أن يتساءل عن صحة وقانونية هذا التوقيع.

بدايةً، سلكت وزيرة العدل المنحى القانوني عبر إعادة مشروع التشكيلات مع ملاحظاتها إلى مجلس القضاء الأعلى، والذي أعاده بالتأكيد عليها بأكثرية 10/7 من أعضائه.

فكان خيارها أسرُ مشروع التشكيلات حتى وصولها إلى بدعة تقسيمه، والتي تشكّل خرقاً للقانون ومخالفةً للاستشارة التي طلبتها من "هيئة التشريع والاستشارات" حول نصّ المادة 13 المتعلقة بتعيين القضاة العدليين في المحاكم العسكرية.

إن استشارة "هيئة التشريع والاستشارات" جاءت متوافقة مع رأي مجلس القضاء الأعلى لجهة عدم وجود أي دورٍ لوزير الدفاع في مناقلات القضاة العدليين في المحاكم العسكرية، فأكّدت أن تعيينات القضاة العدليين في المحاكم العسكرية تعني المناقلات القضائية التي تستهدف نقل قضاة عدليين من مركز لآخر ضمن ملاك القضاء العدلي، فيكون تعيين القضاة العدليين لدى المحكمة العسكرية جزءاً من التشكيلات القضائية. وكان التعيين يحصل بموجب المادة 5 من قانون القضاء العدلي - قبل تعديلها عام 2001 - من قِبَل مجلس القضاء الأعلى، أو بناءً على مشروعٍ يقترحه وزير العدل. 

ولكن هذه الآلية تبدّلت بعد تعديل 2001، بحيث انحصرت صلاحية وضع مشروع المناقلات بمجلس القضاء الأعلى مع وجوب عرض المشروع في مرحلة ثانية على وزير العدل للموافقة عليه دون اَي جهة أخرى، فجاء نص المادة 136 من القانون نفسه يلغي صراحةً، وبشكل إلزامي، جميع الأحكام القانونية المخالِفة، وغير المتوافقة مع أحكام المرسوم الاشتراعي الذي صدر بموجب ذلك القانون. وبالتالي فإن المادة 5 المعدّلة من قانون القضاء العدلي تكون قد حدّدت آليةً موحّدة ومحدّدة بالنسبة لتعيين جميع القضاة العدليين، وبالتالي ألغت كل آليةٍ أخرى مخالفةٍ تتعلق بالتشكيلات القضائية للقضاة العدليين، وعليه ينتفي أيّ دورٍ لوزير الدفاع بمناقلات القضاة العدليين في المحاكم العسكرية.

فتكون، والحالة هذه، وزيرة العدل - التي عمدت إلى تجزئة مشروع التشكيلات القضائية مستندةً إلى أحكام المادة 13 من قانون القضاء العسكري الصادر عام 1968، على قاعدة أنها لم تلغ نصّ المادة 5 من قانون القضاء العدلي - قد أغفلت أعمال المادة 5 من قانون القضاء العدلي، ولم تنسّق بين النصّين وتفسيرهما بما يُحدث أثراً منتجاً. كما وتغاضت عن حصر دور وزير العدل باقتراح أسماء القضاة العدليين في المحاكم العسكرية عملاً بالمادة الآنفة الذِكْر دون أن يكون الاقتراح ملزماً بالمطلق.

كما تناست الوزيرة أن مجلس القضاء الأعلى يعود له، حصراً، الموافقة على هذه الأسماء والتعيينات، وأنه بتأكيده عليها بأكثرية 10/7 من أعضائه تصبح نهائية، وملزمة للسلطة الإجرائية بكل أركانها.

إن وزيرة العدل بإغفالها كل ما تقدّم تكون قد أثبتت عدم حيادها، وعدم مراعاتها لمبدأ استقلالية القضاء، وبتبعيّتها المطلقة للجهة التي عيّنتها.

 ويكون رئيس مجلس الوزراء قد غطى وساهم في تمرير هذه الخطوة غير القانونية أيضاً إرضاءً لجهةٍ سياسية معروفة، ويُعتبر التعيين بحدّ ذاته وفقاً لقرار وزيرة العدل غير متمتعٍ بالشرعية، وغير ملزم. وينسحب ذلك على عدم شرعية المحاكمات التي يقضي بها قضاة تعيّنوا بموجبه لأن صيغة الشرعية القانونية تتمتّع بها التشكيلات القضائية المعدّة وفقاً للأصول المذكورة أعلاه.  

إن عدم شرعية وقانونية هذا التعيين سيؤدي لعدم شرعية وقانونية الأحكام التي تصدر عن قضاةٍ لا شرعية لهم، وهذا يشكّل مساساً بالعدالة بوجهٍ عام، ويدخل ضمن حلقة التدمير الممنهج لجميع المؤسّسات الشرعية.

(*) مفوضة العدل في الحزب التقدمي الإشتراكي