إلى جوقة العهد الجنائزيّة!

19 نيسان 2020 14:48:00 - آخر تحديث: 21 نيسان 2020 12:31:21

إنها السياسة ذاتها والأحقاد ذاتها. تنطفىء وتنكفىء في مراحل معينة ثم تعود لتستعيد وهجها وحضورها في الحياة السياسية اللبنانية، تبعاً للظروف والمعطيات وقياساً إلى إرتفاع منسوب الكراهية والتوتر عند الأطراف السياسية إياها وهي غير قادرة  على الخروج من ماضيها الذي على أساسه تبني مقاربتها للمستقبل.

سياسات ترتكز على الإقصاء والإلغاء! هكذا دخلت هذه التيارات إلى الحياة السياسية: إطلاق الحروب العبثية التي لم تؤدِ سوى إلى الدمار والانهيار ثم الاستسلام، وحروب إلغاء شعواء، ثم تلاحقت المواقف التي تمت مقايضتها في صفقة أنهت المنفى وأسست لحقبة جديدة مناقضة لكل ما رفع من شعارات وعناوين سرعان ما تبين أنها للإستهلاك السياسي والشعبي بعيداً عن أي محتوى جدي.

لو أن هذه القوى إستوعبت منذ بداية دخولها العمل السياسي في مطلع التسعينات طبيعة التركيبة السياسية اللبنانية وموازين القوى الدقيقة التي تركز عليها، لما خاضت على الأرجح الحروب التي خاضتها، ولما ورطت البلاد في دوامات من التعطيل وشل المؤسسات ومناقضة الدستور والقوانين والحد الأدنى من المنطق السياسي.

لقد كانت لافتة البيانات التي صدرت عن بلدية دير القمر وعن المركز الكاثوليكي للإعلام على لسان المطرانين مارون العمار وإيلي حداد والتي أكدت أهمية المصالحة التاريخية في الجبل التي عقدها البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط في آب 2001، والتي أسقطت الجدران السياسية والنفسية والمعنوية بين أبناء الجبل الواحد وأكدت أن العيش المشترك هو القاعدة والإقتتال كان الاستثناء الذي لا تجوز العودة إليه تحت أي ظرف من الظروف.

بإستثناء بعض العقول والنفوس المريضة، تيار العيش المشترك هو التيار الجارف في الجبل وهذا هو المنطق السائد أي الحفاظ على التعددية والتنوع وعدم الالتفات إلى ما يقوله وينشره هؤلاء الذين يعيشون في الماضي السحيق ويعتاشون على تغذية الأحقاد والكراهية ويعتبرون أن مصالحهم الانتخابية والفئوية والسياسية الضيقة لا تتحقق إلا من خلال بث هذا المنطق وتكريسه في نفوس أتباعهم!

ولكن السؤال المنطقي والمشروع هو: ماذا يستفيد طرف سياسي يدعي الحرص على مستقبل لبنان ويمسك بمفاصل الدولة وزمام الحكم من الاستمرار في نبش قبور الماضي واعتماد السياسات الشعبوية الانعزالية الضيقة؟ ما هي الفائدة الحقيقية من التعرض لمصالحة هدفت بالدرجة الأولى إلى طي صفحة الماضي والانطلاق نحو المستقبل؟
لتذكير أتباع هذا التيار ومناصريه، فإن رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون (قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية) زار المختارة سنة 2010 وصرّح من باحة القصر: "لستُ هنا للمصالحة لأنها تحققت سنة 2001، أنا هنا لإقامة السلام الدائم". فلماذا يصّر البعض على نقض كلام رئيسهم ومواقفه وتصاريحه؟ وهل هو يتحمل كلفة التراجع عن هذا الكلام؟

ثمة مدارس سياسية ترتكز بشكل رئيسي على الشتائم لأنها تفتقد الحجة السياسية التي تستطيع أن تناقش من خلالها أخصامها، فتركن إلى الأسلوب السوقي الرخيص في كيل الشتائم والكلام البذيء، فتعكس بذلك مستواها الفكري والأخلاقي. ترى ألا يستطيع العهد الدفاع عن نفسه إلا من خلال تلك الجوقة الجنائزية الحزينة؟ 

فعلاً، هناك فرق كبير بين رئيس للجمهورية وآخر، بعضهم يخرج من تياره الضيق إلى رحاب الوطن، وبعضهم يصّر على العودة إلى تياره الضيق رغم أنه من المفترض أن يقود سفينة الوطن! ليس كل رجل هو رجل دولة!