قراءة معمّقة في الأداء الحكومي: حبرٌ على ورق

17 نيسان 2020 08:05:00 - آخر تحديث: 17 نيسان 2020 13:02:00

منذ الواحد والعشرين من شباط 2020، تاريخ تسجيل أول إصابة بوباء كورونا في لبنان، يجاهر رئيس الحكومة حسان دياب بتحمّله المصائب المتتالية، ويسرّب عبر المقرّبين منه جداول اجتماعاته اليومية، وينشئ لجاناً حكومية فضفاضة، ويعيّن مستشارين، محاولاً كسب ثقة المجتمع، عبر حكومةٍ تشوّه مفهوم التكنوقراط، وتقدّم أبشع نموذج عن الإدارة القادرة على مجابهة شتّى أنواع الأزمات، لا سيّما المالية والصحّية منها. فكل قرارٍ تتبنّاه الحكومة في الصباح تتبرأ منه في المساء.

قبل جائحة كورونا تحدّثت حكومة دياب عن "الكابيتال كونترول"، معربةً عن توجّهها لتبنّيه من خلال مشروع قانونٍ من إعداد وزارة المالية. 

وبالفعل ناقشت الحكومة في مطلع آذار، مشروع قانونٍ يرمي إلى وضع ضوابط استثنائية على العمليات والخدمات المصرفية لمعالجة ثغرة السحوبات بالدولار الأميركي. وخضع مشروع القانون هذا، والذي حضّره وزير المالية لتعديلات عديدة من قبل مجلس الوزراء، لا سيّما رئيس الحكومة، وأطلعتنا وزيرة الإعلام على كل التفاصيل حول هذا الملف، وبإمكانية إدراج المشروع ضمن الخطة الإصلاحية المالية للحكومة.

ولكن، بين ليلةٍ وضحاها، سقط مشروع "الكابيتال كونترول"، وأتى الرفض القاطع من خارج أروقة السراي الحكومي. وعلى خطى "الكابيتال كونترول"، سلكَ "الهيركات" طريقه في حكومة اللجان والمستشارين. فبتاريخ 13 نيسان تبرّأت حكومة دياب من "الهيركات"، ووضع رئيسها الملف في خانة الفبركات السياسية الهادفة للنيل من حكومته، وأعلن أن "الهيركات" لن يكون ضمن الخطة المالية الإصلاحية، ليناقض بذلك محاضر اجتماعات حكومته، والتصريحات الإعلامية التي أكّدت توجّهها نحو الاقتطاع من حسابات المودعين.

فالمواقف التصعيدية التي أخذتها بعض القوى السياسية، وعلى رأسها رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، الذي اتّهم الفريق الذي يقف خلف دياب باستخدام "الهيركات" لتحقيق السيطرة المطلقة على مقدرات البلد، بدّلت الموقف الحكومي لتسقط محاولة فريق السلطة تصفية حساباتٍ سياسية بعيداً عن مكامن الفساد الحقيقي المتمثّلة بقطاع الكهرباء، والفيول المغشوش، وغيرهما. وهكذا يصبح "الهيركات"، كما "الكابيتال كونترول"، مشروعاً لقيطاً تنصّلت منه الحكومة، ولتُسقط بذلك بندَين أساسيّين من "الخطة المالية الإصلاحية" والتي ما أبصرت بعدُ النور، رغم كل اللجان والمستشارين، والاجتماعات التي خُصّصت لها.

على خطٍ صحي آخر، تواصل الحكومة التخبّط في مواجهة وباء كورونا رغم نجاحها في تطويقه عند بدء الأزمة، هذا إن صدقت بالأرقام. فإذا نظرنا إلى الاستراتيجية الحكومية لإدارة الأزمة الناجمة عن كورونا نراها مفقودةً، لأنها لم تُوضع أصلاً.

في الخامس عشر من آذار أعلنت الحكومة التعبئة العامة، وأقفلت البلد. ومنذ ذاك التاريخ، تجدّد الحكومة حالة التعبئة العامة التي تستمر إلى ?26 نيسان? بعد تمديدها لمرتين. كما وأنّ الدولة تقوم بتضييق الخناق تدريجياً بقراراتٍ عشوائية ناجمةٍ عن سياسة "كل يوم بيومه" التي تتبعها حكومة الدياب، والذي لا يدري أنها لن تُبقي الشعب ساكتاً محجوراً في بيته طويلاً.

اليوم، ترسم الدول أجمع خطوطَ ما بعد كورونا إلّا لبنان، وهو مما يطرح عدّة أسئلة: لماذا حرق كل المراحل؟ ما هي خطة الحكومة لإعادة إحياء القطاعات، وأرزاق الشعب؟ ماذا بعد الأزمة؟ كيف ستعود الحياة إلى طبيعتها؟ الحكومة تعد بقراراتٍ اجتماعية واقتصادية مفرحة ما رأينا منها شيء بعد، إلّا فضيحة المساعدات النقدية، والتي كان غرّد عنها نائب اللقاء الديمقراطي، أكرم شهيب، طالباً ضبط لوائح التقديمات، لينتشر بعد يومين موقف مؤسّسة الجيش اللبناني التي طلبت التدقيق باللوائح المقدمة لِما فيها من أخطاءٍ عديدة. فثارت ثائرة الرأي العام اللبناني على حكومة وعدت بأربعمائة ألف ليرة لبنانية للأسَر الأكثر حاجة، وتوجّهت بالمبلغ البسيط إلى أمواتٍ وموظفين، ومتقاعدين، وجماهير حزبية تابعةٍ لهذا التيار ولذاك، في ظل غياب المعايير العلمية لتحديد الأكثر حاجة والاتّكال على قوائم قديمة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية مع إضافة التنفيعات.
 
لا يختلف اثنان على التخبّط الهائل الذي تشهده حكومة "الواجهة" التي وضعت جميع الملفات في حقل التجارب، وكأنها تتمتع بترف الوقت، أو تكرار المحاولات. ثمة من يقول اليوم إن حكومة حسّان دياب تُدار من خلف الستار. فبالرغم من حركتها الدائمة التي يُشهد لها، تحلّ "الحركة بلا بركة" إلّا على الموجودين خلف الستار...

لتلقّن حكومة دياب درساً مهماً في السياسة مفاده أن حكومات اللون الواحد باستطاعتها أن تتفوق بفشلها على حكومات الوفاق الوطني!