كورونا.. بين السلبي والإيجابي

16 نيسان 2020 17:13:00 - آخر تحديث: 17 نيسان 2020 12:50:46

لكل مظهرٍ من مظاهر الحياة وجهان، وجهٌ إيجابي وآخر سلبي. والمثل الشعبي يقول: "كل طلعة وقبالها نزلة". كما أن قاعدة "الين- يانغ" الصينية تمثّل أيضاً تلك الحقيقة، التي يُرمز إليها بدائرة يتقاسمها بالتساوي اللونان الأبيض والأسود، بما يعني أنه عندما يبلغ الشرّ حدّه، يكون الخير قد بدأ في النمو معاكساً، وهكذا دواليك. هي أحد أوجه نسبية إينشتين، لكن تلك التي أُعلنت قبل آلاف السنين، بحسب المعلم كمال جنبلاط.

الوجه الإيجابي لفايروس كورونا أوضحته بعض دراسات المراقبين لأوضاع البيئة، ويتجسّد بتوقّف المصانع والمعامل في ظاهرةٍ لم يسبق أن شَهِد العالم مثيلاً لها، وفي انخفاض استخدام وسائل النقل لحدوده الدنيا، وهو الأمر الذي أعاد للطبيعة شيئاً من التوازن كان مفقوداً منذ زمن بعيد.

وأول المستفيدين كانوا أبناء المدن المكتظة الذين لاحظوا انحسار منسوب التلوّث فيها - ومنهم أبناء بيروت وجونية في لبنان - كما أن العمل من المنزل قد يؤثّر في إعادة توزيع وانتشار السكان لصالح الأرياف، وبالتالي تخفيف الضغط عن المدينة، وعن البنية التحتية فيها، مرحلياً على الأقل.

أما الوجه السلبي فهو أنه لتوقّف الأعمال القسري في الدول قاطبةً كما يحصل الآن، واقتصار الحياة اليومية على الحجر المنزلي، والتباعد الاجتماعي تحاشياً لانتشار الوباء، تبعاتٌ كارثية على الاقتصاد العالمي، مضافاً إليه جشع التجار الذين يجدون في ذلك فرصة لجني المزيد من الأرباح، وذلك من خلال ارتفاعٍ جنوني لأسعار المواد الغذائية، وأسعار الأدوية، والأجهزة، والمستلزمات الطبية وباعتراف أصحاب الشأن أنفسهم.

والأمر الثاني، ولعله الأهم فيما لو استمر، هو على المستوى الإنساني، إذ جاء الفيروس كورونا ليقدّم نفسه جائحةً عادلة لا تعير للتمايزات أدنى اعتبار، فلا تمييز بين كبير وصغير، ولا بين غنيّ وفقير، فجميعهم مهدّدون؛ وعلى مستوى العلاقات الدولية أيضاً، بعد أن أرهقت العالم السياسات الاقتصادية الرعناء التي حصرت أهدافها بمضاعفة الثروات، وعبثية تكديس الأموال، والافتئات والتمييز تارةً بين عالم الشمال وعالم الجنوب، وتارةً أخرى بين العالم المتحضّر والعالم المتنامي، أو بين الدول المتقدّمة ودول العالم الثالث، إلى ما لا نهاية له من التصنيفات والعنصرية بين الدول والشعوب، واقتصار التعاون الدولي ضمن اتفاقيات فوقية وغير متوازنة، وتقديم المساعدات في إطار المصالح الضيّقة، وطغيان نظام التابع والمتبوع داخل المعسكرات.

نعم ها هو الوباء يفرض أسلوباً جديداً، بل نموذجاً مميزاً في العلاقات الدولية قوامه الأخوّة ما بين الشعوب - الصين والدول الأوروبية بشكل خاص، مروراً بالدول العربية - وارتفاع منسوب التعاون والتضامن الدوليين، لمواجهة العدو المشترك أيضاً، وذلك في سابقةٍ لم يشهدها العالم منذ أمدٍ بعيد، مهدداً الأحادية الأميركية بالانهيار دون الركون إلى بديلٍ واضحٍ، فالصين تحبّذ التعدّدية، لا الثنائيات والثلاثيات، كما يطمح شركاؤها الروس والأوروبيون في طريق مساواتهم مع الأميركيين. 

وبات أيضاً صوتُ الصراعات السياسية، والجبهات العسكرية، خافتاً جداً، والانتفاضات الشعبية عُلّقت لأجلٍ غير محدّد، أو ربما لغير أجل.

وفي خضمّ ذلك شكّلت الأحزاب والجمعيات في لبنان خطوط الدعم الأولى. وبعد البلبلة والانزعاج من المبادرات واتّهام أصحاب الغيرة بالمزايدات، تلقّفت الدولة أخيراً حجم الخطر، وذهبت لتوحيد جبهات المواجهة، مع التنويه بتمايز دور وزارة الصحة، وجهود كل العاملين فيها ومعها منذ البدء، وهم الأعلم بحجم الخطر والمواجهة المطلوبة لصد الوباء، وبالحاجة لأي مساعدة من حيث تأتي، فللجائحة خطران خاصةً في لبنان الذي يرزح تحت الأزمة الاقتصادية والمالية: خطر الإصابة بالمرض، وخطر الحاجة والعوز، خاصةً لمئات العائلات التي ترزح تحت حد الفقر، والمحتاجة أصلاً، وقبل كورونا، وكذلك مئات العائلات الإضافية التي تعمل بشكل يومي. وإن تعذّر عليها العمل، تعذّر عليها تأمين قوت يومها.

ثم استنفرت الجيوش التقليدية الخضراء منها والمبرقطة، والأجهزة الأمنية والعسكرية كافةً، لتتحوّل إلى أفواج لوجستية تساعد الدولة على تطبيق القوانين المستجدّة تنفيذاً لسياسة التعبئة العامة، فيما تقدّم إلى خط الدفاع الأول في الحرب على الوباء "الجيش الأبيض"، ممثلاً بالكادر الاستشفائي من أطباء وممرضين، ويعاونهم في مهامهم الإنسانية الصليب الأحمر، أو الهلال الأحمر - ولا فرق - فالتحية كل التحية مراراً وتكراراً لكم أيها "الجيش الأبيض".

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.