كيف يواجه لبنان الأزمة المالية والصحية؟

10 نيسان 2020 08:44:12

كان وقع جائحة كورونا على لبنان كبيرا جدا، لأن البلاد تعاني في الأساس من أزمات مستعصية، وهي تئن تحت وطأة اختلال سياسي لم يسبق أن كان بهذه الحدة، حيث تدير شؤون الدولة حكومة تبعث على الحيرة، ظاهرها مختصة من وزراء مستقلين، وباطنها سياسي من لون واحد، ويتحكم بغالبية قراراتها نافذون يدورون في فلك العهد، أو «ثلاثي غير مرح» وفقا لوصف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وهي تتخذ قراراتها بخلفيات سياسية وحزبية، وأحيانا تتحايل على القوانين كما في اعتماد التعبئة العامة لتجنب إعلان حالة الطوارئ.

وإذا كانت مصائب قوم عند قوم فوائد كما يقول المثل، فإن محنة فيروس كورونا كانت وبالا على الشعب اللبناني، بينما حل باردا على الحكومة، وأنقذها من سهام المعارضة ومن تظاهرات الحراك الشعبي ضدها، وفتح لها فرصة الظهور الإعلامي لأغراض إنسانية كما حصل في مطار رفيق الحريري، عندما تسابق أركانها للظهور أمام الكاميرات من دون أي وقاية طبية، بمناسبة استقبال الطائرات التي حملت بعض اللبنانيين الذين كانوا عالقين في الخارج بسبب توقف النقل الجوي.

ورغم مرور ما يزيد على 75 يوما على تأليفها، لم تضع الحكومة بعد الخطة الاقتصادية ولا برنامج وقف الهدر المالي في قطاع الكهرباء كما وعدت في بيانها الوزاري، وهي لم تتخذ أي تدابير لمعالجة الاختناق النقدي الذي تعيشه البلاد، بل على العكس من ذلك، فقد قفز سعر صرف الدولار الواحد خلال هذه الفترة الى ما يزيد على 3000 ليرة، وهو ما يشكل كارثة حقيقية على ذوي الدخل المحدود، لأن رواتبهم خسرت فعليا نصف قيمتها الشرائية، والتضخم ازداد كثيرا وأسعار السلع الأساسية تضاعفت، بينما تراجع الإنتاج الاقتصادي ووصل الى مستويات قياسية، ويقدره الخبراء بـ - 11% من الناتج الإجمالي.

وفي مواجهة الأزمة الصحية، نجح وزير الصحة بمساعدة طاقم طبي ماهر في إنتاج حركية معقولة للحد من الأخطار الوبائية، لكن هذه الحركية غير كافية لتغطية الإخفاق الهائل الذي أصاب كل القطاعات الأخرى، حتى إن المساعدات المتواضعة التي أقرتها الحكومة للعائلات الأكثر فقرا، وللذين توقفت أعمالهم بقيمة 400 ألف ليرة لبنانية لكل عائلة، لم يصل منها أي شيء للناس بعد، رغم مرور ما يقارب الأسبوعين على إقرارها. ولولا مبادرات المساعدة التي قامت بها بعض الأحزاب والبلديات والجمعيات الأهلية، لكانت صرخة المواطنين فاقت كل تصور، وحالات الانتحار التي حصلت، كما التظاهرات الشعبية الاعتراضية، رغم حظر التجول، دليل واضح على الكارثة المعيشية، وعلى العجز الحكومي.

وإذا كان الحصار العربي والدولي الذي يواجه الحكومة جراء انحيازها لمحور سياسي إقليمي، سببا من أسباب الفشل في معالجة الأزمة المالية، فإن هذا الموضوع لا يشكل حجة كافية لبعض القصور الذي حصل، لأن أوراقا كثيرة كان يمكن للحكومة أن تستفيد منها لرفع مستوى أدائها، ومن هذه الأوراق، مهادنة الأغلبية السياسية والشعبية لها، كما أنها لم تستفد من الفرص الدولية التي فتحت أمامها، وخاصة عروض صندوق النقد الدولي، وتسهيلات البنك الدولي، ومنها هبة 450 مليون دولار لمعالجة تفاقم الفقر، والتي لم تحرك ساكنا للاستفادة منها حتى الآن.

يحتاج إنقاذ لبنان من الكبوة الى معجزة يقوم بها رجال دولة يقدمون مصلحة الشعب العليا على أي اعتبار آخر، وعلى وجه التحديد مهادنة أصدقاء لبنان وأشقائه القادرين على مساعدته، لكننا في المقابل نرى واقعا مخيفا مختلفا، يتسابق فيه غالبية المشاركين في الحكم على تنفيذ أجندات حزبية وشخصية تساهم أكثر فأكثر في إغراق البلاد في عتمة البؤس وقساوة الفقر وتبعث على الخوف من المستقبل.