غرّة الخيَم

09 نيسان 2020 14:41:00 - آخر تحديث: 09 نيسان 2020 14:42:18

من دروس المعارك، معركة بواتييه التاريخية، والتي وقعت في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 732 ميلادي/ رمضان 114 هجري، على الحدود الفرنسية الجنوبية بين عبد الرحمن الغافقي، قائد جموع الأندلس، وبين شارل مارتيل، قائد جموع الفرنجة. وقد عُرفت هذة المعركة لدى المؤرخين العرب بـ"بلاط الشهداء"، بحيث رُصفت أرض المعركة رصفاً بجثامين الشهداء. 

يروي مؤرخو الأندلس أن القائد الأندلسي، عبد الرحمن الغافقي، وضع خطةً للتقدّم داخل فرنسا الجنوبية. سار الغافقي على رأس جيشٍ عظيم، شديد التمرّس بالحرب، تتقدمه فرق الاستطلاع من المشاة والخيّالة، وجعل في مؤخرة الجيش حرّاس قطاع النساء، والجواري، والسبايا، والغلمان، والمؤن والغنائم.

وتعرّف قائد الفرنجة على القطاعات العسكرية التي تتكوّن منها حملة الأندلس عليه. فأرسل فرقةً خفيفة العدد من الفرسان المتمرّسين لمواجهة مقدمة الجيش، وفرقةً أخرى لمواجهة مؤخرة الجيش، وتألفت الفرقة من اللصوص والناهبين. أمّا الجيش الفاتك في الوسط، فأدّخره وراء الجبال على مبعدةٍ من أرض المعركة التي اختارها، وفي التوقيت الذي اختاره، أي مع بداية شهر الصوم، والانشغال بالمطابخ، وإعداد الطعام من بعد ظهر كل يوم.

وفي الوقت الذي واجه فرسانه مقدمة الجيش، وجعل خصومه يؤخذون بالانتصار السهل، تقدّم الخطّافون، واللصوص، والنهّاب والسرّاق، وأعداد جمّة من الحرامية لغزو مؤخرة الجيش، حيث المال والنساء والغلمان. فانعطف جيش الغافقي، وأخذته الحميّة لحماية المؤخرة من النهب والخوف على المال والنساء. فكبس شارل مارتيل وسط جيش خصمه بقوة، فرُصِفت أرض بواتييه بالجثث، وعُرفت ببلاط الشهداء. وسجّلت هذة المعركة بداية التراجع الأندلسي. 

 تذكرت ذلك، حين كان يحدّثني أحدهم عن غرّة الخيم، وإزالتها بطرابلس ليل الثلاثاء/ الأربعاء، في 8/4/2020.  

قال محدّثي: وصلتْ البارحة الإعاشات إلى الباب الجنوبي للمدينة. اختاروا الخلاء في منطقة الضمّ والفرز، ودعوا الناس لاستلام حصصهم بموجب القوائم التي سجّلتها خيَم حراس المدينة، وخيَم الوسطية، وخيَم الطلاب الجامعيين، وخيَم الروابط الاجتماعية، وخيَم اتحادات الطلاب، والسواقين، وأصحاب المهن الحرة.

ذهب الجميع ليلاً إلى هناك للمساهمة في الإشراف على حملة الدعم الغذائي والمالي، ومراقبة الوضع الذي يؤتمنون عليه.

كان ذلك فرصةً لخلو ساحة النور/ ساحة الثورة، من حرّاسها ليلاً. فتقدّم العمال المحضَّرون، ومعهم المعدّات، والونوش والرافعات، وجميع الآلات، لتفكيك الخيَم بكل هدوء، ودون مواجهة من أحد (لأن الأحد كان في مكانٍ آخر). وحضرت قوى الدولة لحفظ الأمن خشيةَ المواجهات، وخشية الاعتداءات، وخشية سقوط ضحايا وسفك دماء. كان حرّاس الخيَم، يتقدمون، ويحرسون المؤن. وكانت قوى السلطة تتقدم، وتحرس في عملية إزالة الخيم. وقديماً قال الشاعر: 

فخيرُ هذا بشرِّ ذا 
فإذا الله قد عفا.

وتابعَ محدِّثي: لا تنسى كذلك أننا على أبواب رمضان. فنحن أحيينا هذة الليلة، منتصفَ شعبان. وانشغل الناس بإحياء الليل بعيدين عن المساجد، وعن الخيم، بسبب كورونا، وبسبب التعبئة العامة. وخيارات المنازل والساحات والأسواق كانت متاحةً لهم أكثر من الخيَم. وهذا ما شكّل وقت الذروة لفراغ الخيَم من أهلها وحرّاسها في طرابلس.

وتابع محدِّثي: يحلّ رمضان بعد أسبوعين. وكورونا تحتلّنا. والتعبئة العامّة تحرس كورونا، وتخيّم علينا. والمقاهي مغلقةٌ والمحال في الأسواق مغلقةٌ أيضاً، بحماية كورونا وبحماية التعبئة العامة التي تحرس كورونا.

حسبَتْها قوى السلطة جيداً. وفعلتها. أخلت ساحة الثورة خلال ساعتين، اجتمع العمّال بلا كمّامات، وبلا كورونا ولا مَن يحزنون. طاردوا كورونا، وطردوها، وأبعدوها عن العمّال. وفكّكوا الخيَم، حتى لا تكون ساحةً رمضانية بديلة ينتدي فيها الناس، ويقيمون فيها الإفطارات، ويحييون فيها الأماسي الرمضانية، وتزدهر مناقل الكعك الطرابلسي، والكعك بجبنة، والكعك بزعتر، والكعك بسمّاق، ومراطبين المخلّلات، وأكشاك الزهورات، والبذورات [البزورات]، والقهوة والشاي، ناهيك عن بسطات صدور الباعة، والصبايا، والحلوايات الطرابلسية: زنود الست، وورد الشام، والبقلاوة، وحلاوة الجبن. وكذلك عن باعة الأشربة المختلفة: العرقسوس، وشراب الخرنوب والليمونادا، والمغلي والسحلب والمهلبية؛ ومناقل عرانيس الذرة، وعربات الفول المسلوق، وأكشاك الفلافل؛ ومجالس ومقاعد النراجيل: المعسّل، والتفاحتين، وحامض وليمون. والتنباك الأصفهاني والبلدي والعجمي.

تابع محدّثي يقول: البلد فقر وتعتير. وسكّان الأحياء القديمة، وسكان باب الرمل، وباب التبّانة والجبل، ليس لهم إلّا ساحة النور/ ساحة الثورة. فما بالك، والبلد بين الهلع من كورونا، والبِدَع مع التعبئة العامة.

قلتُ في نفسي وأنا أودّعه، حمى الله طرابلس من نوّابها. فكل نائبٍ فيها، هو نائبةٌ عليها. فما بالُك إذا اجتمعت على هذة المدينة الشهيدة، شهيدة الفقر والحرمان والجوع، جميع النوائب عليها. فعلَتْها كورونا. فعلتها التعبئة العامة، وجرت عليها النائبات. وقديماً قال الشاعر:
فدع الأهلّة تلتمس هالاتها
فإن الخافقات لها سكون.
 

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.