سبب وباء كورونا ونوعية الكارثة

08 نيسان 2020 10:16:06

الخطر الرئيسي الذي نواجهه هو اعتبار الفيروس التاجي الجديد ظاهرةً معزولة، وبدون تاريخ، وبدون سياقٍ اجتماعيٍ، أو اقتصاديٍ، أو ثقافي.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، بدأت الخنازير في المزارع في مقاطعة قوانغدونغ، بجنوب الصين، في التعرّض للإصابة بفيروس إسهال (PEDV) "وباء الخنازير"، وهو فيروس تاجي يصيب الخلايا التي تبطّن الأمعاء الدقيقة للخنازير. 

بعد أربعة أشهر توقفت الخنازير عن إعطاء نتيجة إيجابية لاختبار الفيروس، على الرغم من أنها استمرت بالمرض والموت. وكما أكّد التحقيق، كان ذلك نوعاً من المرض لم يسبق له مثيل، ممّا أدّى إلى مقتل 24,000 خنزير صغير حتى آذار 2017 ، وذلك على وجه التحديد في نفس المنطقة التي اندلع فيها تفشي الالتهاب الرئوي اللّا- نمطي المعروف باسم "السارس"، قبل ذلك بثلاثة عشر عاماً.

في كانون الثاني 2017، ومع انتشار وباء الخنازير في منطقة قوانغدونغ، نشر العديد من الباحثين الأميركيين في علم الفيروسات، وفي نفس الوقت، دراسةً في المجلة العلمية عن "تطور الفيروس"، والتي أشارت إلى أن الخفافيش هي أكبر احتياطي حيواني للفيروسات التاجية في العالم: كان أصل العدوى موجوداً بدقة في أعداد الخفافيش في المنطقة. وبدأت الأسئلة، كيف يُمكن أن تطلق الخفافيش وباء الخنازير؟ ما علاقة الخنازير بهذه الحيوانات المجنّحة الصغيرة؟

جاء الجواب بعد ذلك بعام، أي عندما نشرت مجموعةٌ من الباحثين الصينيين تقريراً في مجلة "الطبيعة" ، وأشاروا فيه إلى انتقال المرض إلى البشر، وإلى أن الزيادة في المزارع الكبيرة للماشية قد غيّرت مجالات حياة الخفافيش. وأن تربية الماشية الصناعية المكثفة قد زادت من فرص الاتصال بين الحياة البرية والماشية، مما أدى إلى خطر انتقال الأمراض التي تسبّبها الحيوانات البرية التي تتأثر بشكل كبير بإزالة الغابات.

كان Zhengli Shi من بين مؤلِفي هذه الدراسة، والباحث الرئيسي في معهد علم الفيروسات في ووهان، المدينة التي نشأ فيه الفيروس الحالي "كوفيد- 19"، والتي تتشابه سلالتها بنسبة 96 ? مع نوع الفيروس التاجي الموجود في الخفافيش، وذلك من خلال التحليل الجيني.

في عام 2004، أشارت منظمة الصحة العالمية، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، إلى زيادة الطلب على البروتين الحيواني، وتكثيف إنتاجه الصناعي، كأسبابٍ رئيسية لظهور وانتشار أمراضٍ حيوانية جديدة غير معروفة، والتي تنتقل عن طريق الحيوانات إلى البشر.

وكان الكيان البريطاني قد استخدم بياناتٍ من البنك الدولي والأمم المتحدة حول صناعة الثروة الحيوانية،  والتي تمّ تجاوزها بتقارير عن الأمراض التي تنتقل من خلال الدورة العالمية لإنتاج الغذاء. 

وخلُصت الدراسة إلى أن ما يسمّى "ثورة الثروة الحيوانية"، أي فرض النموذج الصناعي للزراعة المكثفة والمرتبطة بالمزارع الكلية، كان يولّد زيادةً عالمية في الإصابات المقاومة للمضادات الحيوية، ويؤدي كذلك إلى تدمير صغار المزارعين المحليين، وتعزيز نمو الأمراض التي تنتقل عن طريق الأغذية ذات الأصل الحيواني.

وفي عام 2005 ، وضع خبراء من منظمة الصحة العالمية، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، ووزارة الزراعة بالولايات المتحدة، والمجلس الوطني للخنازير، دراسةً قاموا خلالها بتتبّع تاريخ إنتاج الماشية بدءاً من النموذج التقليدي للمزارع العائلية الصغيرة حتى فرض المزارع الكلية "الحبس الصناعي"، حيث أشار التقرير إلى أن أحد الآثار الرئيسية لنموذج الإنتاج الزراعي الجديد هو تحوّل مسببات الأمراض، وكذلك زيادة خطر انتشارها.

وكما أن اختفاء الأنماط التقليدية لتربية الماشية لصالح النُظم المكثّفة يحدث بمعدل 4? سنوياً، وخاصةً في آسيا، وأفريقيا، وأميركا الجنوبية. 

وعلى الرغم من البيانات، ودعوات الانتباه، فلم يتمّ فعل أي شيء لوقف الأمر، وتضاعف عدد الماشية ثلاث مرات تقريباً بين 1980 و2010.

الصين هي أهم منتجٍ للماشية في العالم، حيث تكثر عمليات الماشية الكليّة التي يحشرون فيها الآلاف من الحيوانات. وهناك مزرعة واحدة كبيرة تقع في شمال شرق الصين، وتضمّ مائة ألف بقرة، ويتمّ توجيه لحومها وحليبها إلى السوق الروسية. وتُعتبر هذه المزرعة أكبر بخمسين مرة من أكبر مزرعة لحوم البقر في الاتحاد الأوروبي.

الأوبئة هي نتاج التحضّر. وعندما بدأ البشر في التجمّع معاً في المدن ذات الكثافة، تمكّنت العدوى من التأثير في الوقت نفسه على أعدادٍ كبيرةٍ من الناس، وتضاعفت آثارها المميتة، كما نشأ خطر الأوبئة، مثل تلك التي تؤثر علينا اليوم. وإذا طبقنا هذا المنطق على تطوّر الإنتاج الحيواني في العالم، فإن الاستنتاجات تبدو مقلقة. وفي غضون خمسين سنة، أدّت تربية الماشية الصناعية إلى "تحضّر" مجموعة من الحيوانات كانت موزّعة في السابق بين المزارع العائلية الصغيرة والمتوسطة. لكن الوضع أكثر خطورةً إذا اعتبرنا أن عدد سكان العالم من الماشية أكبر بثلاث مرات تقريباً من عدد البشر.

أخيرا إشارة إلى أن عالم الأحياء روبرت. ج. والاس، نشر كتاباً مهماً في عام 2016، وكان بعنوان  "مزارع كبيرة تسبّب إنفلونزا كبيرة" "Big Farms make Big Flu"، وتتبّع فيه العلاقة بين أنماط الإنتاج الزراعي الرأسمالي، ومسببات الأوبئة في العقود الأخيرة. وقبل بضعة أيام، أجرى والاس مقابلةً مع المجلة الألمانية "ماركس 21" حيث شدّد فيها على فكرةٍ رئيسية: إن تركيز العمل ضد "كوفيد- 19" على نشر تدابير الطوارىء والتي لا تحارب الأسباب الهيكلية للوباء، يشكّل خطأً، والخطر الرئيسي الذي نواجهه هو اعتبار الفيروس التاجي الجديد ظاهرةً معزولة.

في النهاية يجب التأكيد على أنّه لا مفرّ للإنسان من العودة إلى الطبيعة والأرض، والتخفيف من التصنيع الرأسمالي لدورة الغذاء، لتعيش الكرة الأرضية بسلام.