وغابت الدولة...

03 نيسان 2020 21:15:00 - آخر تحديث: 04 نيسان 2020 00:53:39

دخلت الدولة في حجرِها الصحي بعد إصابة حكومتها بغطرسة الفساد والارتهان، فيما القيّمون بأعمالها كلٌ يغنّي موّاله ويعزف على القانون. وما من حسيب وما من رقيب. الجميع ينظّر، ويستبسل في نشر إنجازاتٍ وأفعالِ خيرٍ كشعرة من إبليس اللعين في ذلك القول المشهور. 

غابت الدولة، وغاب عنها القانون، وأجهزة الرقابة، والقضاء العادل. ولم يبقَ فيها سوى فريق من الباحثين عن الثغرات القانونية في دستور لبنان، وفي القوانين التشريعية، ونظام المؤسّسات العامة ليملأونها بما يعرفون، وبمن يعرفون من أصحاب الضمائر المأجورة في إكمال مشروعهم في الإصلاح والتغيير. 

ينشرون فسادهم بالتساوي مع هذا الوباء، ويُحكِمون قبضتهم على جميع مرافق الدولة. 

والشعب كالعادة، هو الضحية بامتياز. وباءٌ يهدّد حياته، ووباءٌ يسرق مستقبله، وبين هذين، يسود وباء الجهل والاستهتار.

الاستهتار بمصير شعبٍ مُنهكٍ جرّاء الأزمة الاقتصادية، والتلاعب بسعر الدولار رغم افتقاره له، وبمصير شعبٍ يعيش في صراع دائم بين العوز وعزّة النفس. مصير شعب افتقر للحلول، وعجز عن فتح باب الأمل بعد انعدام الحال. 

غابت الدولة، ولم تعلنها حالة طوارئ حتى الساعة. غابت الدولة، ولم نسمع بحلولٍ أو تعويض. آلاف اللبنانيين محجورون في منازلهم، منهم مَن قبض راتبه كاملاً، ومنهم مَن قبض نصفه، ومنهم مَن لم يقبضه، وأكثر من نصفهم لن يقبضوه مجدداً. 

غابت الدولة، وغاب معها الاستقرار، وغاب الأمنُ والأمان. خَلَت الشوارع من الضوضاء. هاجرت عجقة السير وازدحام المارّة. أقفلت المحلّات التجارية، وأطفأت المصانع آلاتها، وبات لبنان مسرحاً للمجرمين، وصرحاً للسارقين، وملعباً للأغبياء... 
ساد الهدوء هنا وهناك، وما زال بعض الناس يتعالون ويتبجّحون غير مبالين بهذا الوضع الكارثي، ليس من كثرة الإيمان عندهم، بل لفقرِ العقل وقلّة الإيمان. من دون رأفةٍ نراهم في الشوارع كقطيعٍ يسير خلف غرائزه. ما من قانون يُلجمهم، وما من سلطةٍ تقمعهم. والأسوأ من ذلك ما نسمعه يومياً عن الجرائم والجُنَح، بين القتل، والسلب، والسطو المسلّح، وجميعهم منتشرون في بلدنا مثل الكورونا، إنما أخطر وأكثر ترهيباً من الكورونا ذاتها، وأيضاً من دون حسيبٍ أو رقيب... وما من أحد يردعهم.

وفي ظلّ هذا الغياب التام، والفلتان الحاصل في لبنان، واستهتار الشعب قبل الدولة والحكومة، نحيّي الجهود المبذولة من قِبَل بعض رجالات الدولة، وعلى رأسهم الوطني الكبير، الزعيم وليد بك جنبلاط، على كل ما قدّم من هبات ومساعدات، وعلى كل التدابير اللّازمة للوقاية من خطر الكورونا، في خطوةٍ استباقية للحد من انتشار هذا الوباء، أكان في الجبل، أو على صعيد لبنان، وهو أيضاً في محاولةٍ دائمة لدعم الطاقم الطبّي الذي أثبت أفراده، وبجدارة، أنهم جنود الصف الأول في مكافحة هذا الوضع المزري...

حما الله لبنان من كل شرّ آتٍ، وأدام لنا قصر المختارة بيتاً يأوينا عند الصعاب، ويحمينا، ويخفّف من آلامنا، ونحن لهذه الدار أوفياء...

وعسى في بلدي أن يتعلّم الجهّال من حكمة هذا القائد العظيم، ويرتقون عن المناكفات السياسية والأحقاد الغاشمة في سبيل الشعب وخلاص الوطن من محنته. فالوقت ينفد، والسبُل غير متاحة. وحده الالتفاف، والتعاون، والتقيّد بالإرشادات الصحيّة كفيلٌ بإخراجنا بأقل خسائر على المستويين الطبّي والاقتصادي.

غابت الدولة، وبقيت عيون البك كعيون الأم تسهر على راحة وصحة أولادها، وتلعب دور الأب في تأمين احتياجاتهم، بينما ينعم أبوهم في سباتٍ عميق... علّه يستفيق.

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.