بين التعبئة العامة والطوارئ و"قلة التدبير"

03 نيسان 2020 12:43:00 - آخر تحديث: 04 نيسان 2020 08:43:23

تحتوي الثقافة الشعبية اللبنانية بعض التوصيفات التي يمكن الإستفادة منها والتأسيس عليها لتكوين فكرة عما يجري في بلاد الأرز الجميلة. ومن هذه التوصيفات إطلاق مصطلحات يمكن أن تكون إدانة لشخص او لجهة معينة من دون إستخدام تعابير مُسيئة. ومثال على ذلك القول:" مثل مابدوا الفاخوري بيركب ذينة الجرة" وتمَّ استخدام هذه المقولة عندما أُطلق العميل عامر فاخوري منتصف مارس كي ينجو مستشار البلاط السليم والصهر الباسل من العقوبات الاميركية. وتوصيفة " قلّة التدبير" يستخدمها اللبنانيون على شاكلة واسعة كتعبير عن عدم الكفاءة عند شخص محدد، وعجزه عن إدارة شأن ما، وفي الكنائس المشرقية يُطلقون اسم "المُدبر" على رجل الدين الذي يقوم بهمام تسهيل أمور رعايا الأبرشية كتعبير عن قدرته على تسيير شؤون الكنسية. 

قال لي أحد أساتذة القانون المُخضرمين: " نيال الذي لا يعرف بالقانون" فهو يخفف على نفسه الكثير من الحيرة والعناء. وتابع في معرض إنتقاده لموقف الحكومة عندما إتخذت قرار إعلان حالة التعبئة العامة لمواجهة وباء الكورونا القاتل، وأدى التدبير الى فوضى ملحوظة وعدم التزام بحضر التجول: المادة 2 من قانون الدفاع رقم 102 التي استندت اليها الحكومة تتحدث عن الإجراءات التي يجب أن تُعتمد للتعبئة العسكرية للمجهود الحربي، وهذا القانون بحد ذاته عبارة عن أحكام قانونية لتنظيم حالة الحرب العسكرية. والتبريرات التي ساقتها الحكومة لعدم إعتماد حالة الطواريء وجندت لإقناع الناس ماكينة واسعة؛ غير منطقية، فحالة الطواريء ينص عليها الدستور، وينظمها المرسوم الإشتراعي رقم 52 تاريخ 5/8/1967 وأحكام المرسوم واضحة، وهي توصِّف الحالة التي يجب أن تُلعن فيها، ومنها خصوصاً في مواجهة الكوارث كما هو عليه الحال اليوم، وليس صحيحاً أن تدابير الطواريء يمكن أن تؤدي الى إزدحام في المتاجر، او ألى شلل في البلاد؛ فهناك تدرُّج واضح في التدابير التي ينص عليها قانون الطواريء، خصوصاً لناحية منع التجول او توقيف الأشخاص او عزل منطقة دون غيرها وفق الحاجة لذلك، وهو يعطي الحق للجيش بمصادرة الأماكن- مثل الفنادق للحجر- لضرورة تأمين المصلحة العليا للدولة وحماية الشعب، ويمكن له أن يطلب مساعدة أي جهة لمواجهة الموقف.

ويتابع الأستاذ المرجع: واضح أن عدم إعلان حالة الطواريء كان لتجنُّب إعطاء دور متقدم للجيش في هذا الوقت بالذات، وهو ينمُ عن مناكفة كيدية ضد الذين إقترحوا التدبير منذ البداية، خصوصاً وإن تأمين الغطاء التشريعي لفرض الطواري كان مكفولاً لأن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان اول مَن إقترحه وايده رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

وقد عبَّر غالبية المواطنيين اللبنانيين عن إمتعاضهم من موقف الحكومة خلال تأديتهم التحية  بالتصفيق للأطباء والممرضين مساء الأحد الماضي، كذلك في حملات التبرُع لجهات شعبية وإعلامية لمساعدة المستشفيات والمحتاجين من دون تسليم التبرعات للجهات الرسمية.
ومن الواضح أن الرأي العام اللبناني يعبر عن سخطه من السلطة، لأنها لم تقدِّم أي شيء للناس حتى الآن في مواجهة الكارثة، برغم مرور 20 يوماً على إعلان حالة التعبئة، وقرار دفع مساعدة غذائية بقيمة 400 الف ليرة للأسر الفقيرة، لم يُنفذ بعد، وهو بالكاد يغطي جزء من زيادة الأسعار على السلع التي قدرت في بعضها بمئة بالمئة احياناً. والحكومة لم تنجح في تأمين وضبط أسعار المواد الطبية الضرورية للوقاية والتعقيم، ولا في مساعدة اللبنانيين الذي يريدون العودة من الخارج، برغم أن فرنسا أعادت أكثر من 100 الف مواطن فرنسي في أقل من أسبوع. والتجاذبات التي حصلت حول هذا الموضوع بين أطراف فريق اللون الواحد؛ عبارة عن توزيع أدوار لا أكثر، وقد تبين ذلك من خلال الإرتفاع الخيالي لأسعار بطاقات السفر.

"قِلة الدبار" عند أركان الحكم في مواجهة الأزمات واضحٌ للعيان، والحكومة تستهتر باللبنانيين وبمصيرهم وبمصالحهم، ولم تقُم بخطوة ناجحة واحدة في مواجهة أي من التحديات الوبائية او المالية او الإقتصادية، وحتى الآن ولم تُجرِ أي تفاوض جدي حول الدين العام، ولا هي وضعت خطة لتوقيف النزف الهائل الذي يسببه قطاع الكهرباء للخزينة، ولم تقدِّم أي إغاثة لأي من المحتاجين للمعونات الغذائية، خصوصاً الذين توقفت موارد عيشهم بالكامل. بينما نرى ان قادة  الظل المتحكمين بالقرار يجتهدون لتمرير صفقات في التعيينات، وفي بعض التلزيمات- ومنها إعادة الأصرار على بناء سد بسري الذي يثير مخاوف في المحيط- فقط لأن متعهد تنفيذه هو وكيل أعمال الصهر الباسل.

لولا الحركية الواضحة التي قام بها وزير الصحة الدكتور حمد حسن، لما كان للدولة حتى الآن أي دور في مواجهة الأزمة المُخيفة، وبعض مسؤوليها يتلهون بالقاء الخطب وإصدار البيانات، بينما مواجهة الجائحة حتى الآن كان من مهمة القوى الحزبية والشعبية التي استنفرت منذ البداية - خصوصاً في الجبل- لمساعدة الأهالي.