هل تصبح حقوق الإنسان ضحية فيروس «كورونا»؟

01 نيسان 2020 07:22:13

أثّرت جائحة «كورونا» على صحّة الشعوب حول العالم، ولكنّها نخرت في عظام الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، وهدّدت الحرّيات الشخصية بسبب حجرها مئات الملايين في منازلهم. لكن هل يستطيع فيروس «كورونا» إلحاق الضرر أيضاً بحقوق الإنسان والتأثير سلباً على الديموقراطية؟

بعد «كورونا»، ضعفت الضوابط على الحكومات، وغاب المشرّعون عن البرلمانات، وتأجّلت الانتخابات في أكثر من بلد، والمحاكم لا تتعامل إلّا مع القضايا العاجلة، والصحافيون يعملون من منازلهم وتوقّفوا عن ملاحقة السياسيين ومراقبتهم، والمركبات العسكرية تجوب الشوارع.

ومع تزايد البلدان التي أعلنت حال الطوارئ العامة، ترتفع المخاوف بشأن مدى انتهاك للحقوق المدنية الأساسية وسيادة القانون، مع بقاء ما يقرب من ثلث سكان العالم في ما يشبه الحّجر الصحي أو الحظر والعزلة.

 

فرصة للتعسف

في مقاله بمجلة «فورين بوليسي» الأميركية، اعتبر فلوريان بيبر، أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة «غراتس» النمساوية، أنّ الوباء وفّر للحكومات الديكتاتورية والديمقراطية -على حد سواء- فرصة للتعسّف وإساءة استخدام القرار وتقليص الحرّيات المدنية.

ويرى بيبر، أنّ الإجراءات الحالية قد تنجح في التخفيف من انتشار الفيروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطراً من نوع آخر؛ إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه قبل، حتى بعدما يتراجع خطر الفيروس. ويتابع، أنّ الضوابط والتوازنات -غالباً- يتمّ تجاهلها من قِبل السلطات التنفيذية في أوقات الأزمات، لكن الخطورة تكمن في أن تتحوّل هذه الإجراءات الاستثنائية الموقتة إلى دائمة.

 

جدل أوروبي

في ما يشبه البيان الصادر نهاية شباط الماضي، قال الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، إنّ إجراءات الطوارئ التي اتخذتها الحكومات في سياق مكافحة تفشي جائحة «كورونا» غير عقلانية وغير مبرّرة، مستندا إلى بيان المجلس القومي الإيطالي للبحوث، الذي اعتبر أنّ أعراض الجائحة تكون خفيفة أو معتدلة لأغلب الحالات.

وتساءل أغامبين متعجباً: «لماذا تخلق السلطات الحكومية ووسائل الإعلام مناخاً من الذعر، يتسبب في حالة استثناء حقيقية تتضمن تقييد الحركة وتعليق الحياة اليومية والعمل في مناطق بأكملها؟». معتبراً أنّ تلك الحالة تؤدي إلى فرض «عسكرة حقيقية» على تلك المناطق، في صيغة وصفها الفيلسوف الإيطالي «بالغامضة وغير المحدّدة»، متنبئاً بتعميم حالة الاستثناء على كافة المناطق.

 

استراتيجية الذعر

من جانبه، علّق الفيلسوف والكاتب الإيطالي سيرجيو بنفينوتو قائلاً، إنّ الذعر الذي أصاب بلاده كان في الأساس خياراً سياسياً؛ لأنّه في عصر تنتج فيه الديمقراطيات العظيمة «قيادات بشعة»، فإنّ المنظمات الدولية - مثل منظمة الصحة العالمية - تتخذ قرارات من شأنها تصحيح نزوات الفاشية الجديدة في ديمقراطيات اليوم.

ويلاحظ الفيلسوف الإيطالي، أنّه في جائحة الإنفلونزا الإسبانية 1918، تصرّفت السلطة السياسية بطريقة معاكسة تماماً؛ فقد أخفت الوباء، لأنّه في معظم الحالات كانت الدول المعنية في حالة حرب، وسُمّيت الإنفلونزا «الإسبانية» ببساطة لأنّه في ذلك الوقت، وفقط في إسبانيا -التي لم تكن في حالة حرب - تحدثت وسائل الإعلام عن المرض، الذي يبدو أنّه نشأ في الولايات المتحدة.

ولكن القوى السياسية اليوم - التي يؤكّد أنّها عابرة للحدود والاقتصاد وتتخطّى الحدود الوطنية - تتبع إستراتيجية الذعر؛ لتشجيع الناس على عزل الفيروس. وبالفعل، فإنّ عزل المصابين لا يزال - بعد قرون - أفضل إستراتيجية لقمع الأوبئة المستعصية، إذ تمّ احتواء الجذام في أوروبا - كما يؤكّد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أيضًا- على وجه التحديد عن طريق عزل المصابين قدر الإمكان، وغالباً في جزر بعيدة.

 

حالة الاستثناء

من جانبه، عقّب الفيلسوف والأكاديمي الإيطالي روكو رونشي بمقال «فضائل الفيروس»، معتبراً أنّ الإجراءات الطارئة التي تفرضها مقاومة الجائحة تعمل على إضفاء الطابع العالمي على «حالة الاستثناء» التي ورثها الحاضر من «اللاهوت السياسي» في القرن العشرين؛ مما يؤكّد فرضية ميشيل فوكو، بأنّ السلطة السيادية الحديثة هي «سياسة بيولوجية» بتعبير فوكو، الذي نظر إليها كممارسات وصلاحيات لشبكة السلطة التي تدير الجسد الإنساني والسكان في مجال مشترك بين السلطة والبيولوجيا، وفي زمن الانتشار الشامل للرأسمالية.

ويقول الفيلسوف الإيطالي، إنّ الفيروس يجعلنا نتذكر حالتنا البشرية، في حال نسينا أننا بشر، محدودون، محتملون، ناقصون... إلخ، مما يجبرنا على التأمل في الوجود والحياة والتوقف عن تجنب الحقائق.