"كورونا" والإنسانية في مجتمعاتنا

29 آذار 2020 18:09:00 - آخر تحديث: 29 آذار 2020 18:14:13

بدأت "كورونا " تفعل فعلها، وبدأ تأثيرها يظهر جلياً على دول ومجتمعات العالم بأسره.

ويبدو أن "كورونا" قد استطاعت إسقاط ورقة التين التي كانت تستر بعض عورات ما كنّا نعتقد أنها أنظمة سياسية- اجتماعية- اقتصادية متطوّرة، لها مؤسّساتها المهمة والمبنيّة على أسسٍ علمية ومتينة مولجةٍ بإدارة وتدبير شؤون المجتمعات والشعوب بدقةٍ ومهنية عالية، وخاصةً في ما كان يسمّى بدول "العالم الأول" التي تمسك بمعظم مقدّرات العالم، وتتحكّم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بمعظم ثرواته، وتخصّص الموازنات الضخمة للتسلّح،  وغيرها من  المجالات التي ظاهرها مفيد وجوهرها ضار للبيئة والإنسان والإنسانية.

لنأخذ مثلاً الأنظمة الاستشفائية، فقد أظهرت الأزمة الوبائية مدى هشاشتها، إذ أنها لم تستطع تأمين الحد الأدنى المعقول للناس الذين كانوا يعتقدون أن حكوماتهم التي تقضّ مضاجعهم بالضرائب، ولديها الإمكانيات والخطط اللّازمة لمساعدتهم وإنقاذهم عند حاجتهم لذلك. فكانت الصدمة أن الأنظمة الاستشفائية في تلك الدول لم تستطع تأمين أجهزة التنفس الضرورية - بغياب الترياق الشافي - والتي لو وُجدت كان بإمكانها مساعدة  الكثير منهم على الصمود إلى حين  انتهاء أجسامهم بطريقة طبيعية من إنتاج مضادٍ للفيروس، وتكوين ما وصفه أحد قادة تلك الحكومات ب" مناعة القطيع" . لا بل أنها وقفت عاجزة حتى عن تزويد الناس بالكمّامات والقفازات - ولو على نفقتهم الخاصة - التي كان من الممكن، لو تأمنت، أن تساعد على تخفيف وتيرة انتشار العدوى القاتلة.
 

كما أنه في بعض الدول تخلّت بعض الجهات الضامنة (خاصة شركات التأمين) عن مسؤولياتها في تغطية الكلفة الاستشفائية لمرضى "كورونا" - رغم الأقساط الباهظه والمتصاعدة التي كانت تتقاضاها على مدى سنين مضت - مستندةً إلى بنود في عقود التأمين تسمح لها بذلك، كما تدّعي. وذلك يُظهر تقصيراً من الحكومات التي امتنعت - ربما إهمالاً، أو إفساحاً لها بالمجال للتمادي بجشعها، وتحقيق المزيد من الأرباح - عن إلزام الشركات بسد الثغرات في العقود التي تُلزم زبائنها بمضمونها دون أن تترك لهم مجالاً للاعتراض.

كما أن العديد من الحكومات فشلت في أخذ الإجراءات المناسبة، أو أنها أخطأت في توقيت أخذها، وأخرى تتصرّف كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل، حيث تعقّد إجراءات الفحص الطبي، أو تمتنع عن تأمين فحوصات أقل كلفة وأسرع نتيجة، كي لا ترى هي وبالتالي شعوبها، أعداد الإصابات المؤكده في محاولةٍ منها لتحسين صورتها، وإظهار كفاءتها المزيّفة.

وما أظهرته كورونا أيضاً أن معظم المؤسّسات الدولية والإقليمية تقف عاجزةً لا حول لها ولا قوة.

لكن ما كان لافتاً جداً أن بعض الكيانات التي نشأت في فترة الحرب الباردة، وانطلقت كأحلافٍ عسكرية، وانبثقت عنها تكتلات اقتصاديةٍ، وبعضها توسّع إثر انتهاء الحرب الباردة لتظهر على شكل كيانات جغرافيةٍ- سياسية- اقتصادية- مالية. ولعل أبرزها منطقتا الشنغن، والاتحاد الأوروبي، واللتان ضربهما التصدّع الكبير. ويرى البعض صعوبة ترميم الاتحاد الأوروبي، خاصةً وأن الاتحاد لم يستفِق بعد من صفعة "بريكسيت"، أو خروج المملكة المتحدة منه، كما أنه يعاني من محاربة بعض الدول العظمى، أو المؤثرة  له ضمناً (إن لم يكن علناً)، وقد ظهر هذا التصدّع بشكلٍ واضح إثر انتشار الكورونا بشكلٍ مخيف في بعض دولها، ومنها إيطاليا، ودعوة البعض إلى عزلها بدل أن تهرع  لمساعدتها، ما دفع بها إلى توجيه انتقاداتٍ لاذعة، خاصةً لدول الاتحاد الأساسية، أي ألمانيا، وفرنسا، واتهامهما بخذلانها وبالتقاعس، أو أنها تأخرت، عن نجدتها، حتى بتأمين الكمّامات، وبعض المستلزمات البسيطة، ولو مقابل ثمن. بينما هبّت كلٌ من الصين وروسيا، مثلاً، إلى إرسال كمياتٍ كبيرة من المساعدات التي هي بأمسّ الحاجة إليها ، ما دفع وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الإيطالية إلى شنّ حملة ضارية تشير فيها إلى النظرة الدونية لبعض الشعوب الأوروبية تجاه الشعب الإيطالي، وتذكّر بالمقابل بالإرث الحضاري للشعب الإيطالي (لغوياً، وثقافياً، وعلمياً، وفنياً...) الذي استفادت منه كل أوروبا والعالم بأسره، وفي حقباتٍ متعددة. كما ذكّرت أنه لإيطاليا دوراً رئيساً في النهضة الأوروبية في كافة المجالات من خلال علمائها، ورحّالتها، ومهندسيها، وأطبائها، وفنانيها وأدبائها، حتى أن بعض المواقع الإيطالية نشرت خارطة الاتحاد بلونٍ معيّن وخارطة إيطاليا بلونٍ مختلف. وموقعٌ آخر اتّهم الممسكين بقرار الاتحاد بأنه كان وراء إفلاس اليونان، ومحاولة إفلاس كلٍ من إيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال.

كل ذلك يساهم بإنعاش النزعات القومية الشوفينية المتعصّبة بين تلك الشعوب، التي أصبح الكثير من بينها يرى عدم جدوى قيام هكذا كيانات لم تلتفت إلى حاجاتها الأساسية، وتبخل عليهم حتى بحبل نجاة علّه يساعدهم في محنتهم. حتى أن الرئيس ماكرون، الذي دافع عن موقفه، وتحدّث عن مساعدات طبية وصل بعضها فعلاً، اعترف أن ذلك غير كافٍ، وطيّب بخاطر "الطليان"، وأعلن تضامنه مع إيطاليا، ودعا إلى مزيدٍ من التضامن، ولم يُخفِ قلقه على مستقبل الاتحاد إذا لم يُبدِ أعضاؤه قدراً أكبر من التضامن فيما بينهم.

هنا ترى كم هي زهيدة قيمة الإنسان في مجتمعاتنا، لا سيّما التي كنّا نعتبرها متحضّرة ومتقدمة، و دخل الفرد فيها مرتفع. أمّا دخلها القومي فعدد أصفاره يُربك العيون. ورغم كل ذلك لم تجهّز مستشفياتها بالحد الأدنى المطلوب للحفاظ على أرواح الناس وكراماتهم .

عندما تتابع تطور الوضع ، لا يمكنك إلّا أن تنحني أمام  عظمة كمال جنبلاط،  ذلك المفكر الكبير الذي كان هاجسه  الإنسان. وكان يقول"إن المجتمع في كل مؤسّساته - ومنها السياسية - ليس في ذاته غاية، بل وسيلة إلى بناء الإنسان"، ويؤمن أن كل مؤسّسة، أو كيان، يجب أن يُبنى على المفهوم الاجتماعي والمناقبي والروحي للإنسان. وكان يقول: "إننا  لم نأتِ إلى الحياة لكي نستهلك، ونلهو،  ونشتري، ونبيع، أو لكي نعيش كالحيوان بغرائزنا، وسطحية نزعاتنا الحيوانية، وبساطة وظائف أجسادنا... وإنما الحيوان ذاته، ومن خلال نداء التطوّر الغالب، ينزع فينا إلى أن يصبح إنساناً. فهل نستطيع أبداً أن نُسكت نداء الإنسانية فينا، و مطلبها منّا، وأن نقف في وجه صيرورتنا بشراً سويا؟ ... هذا من منطق المحال".  

وقد كتبَ في مطلع العقد السادس من القرن الماضي، أي منذ ما يقارب السبعين عاماً هذه السطور:
"للحزب طريقة إيجابية في معالجة واقع ما يشكو منه العالم اليوم، الذي لا يزال في ذهنيّته السائدة لم يتحرّر من ذهنية قوميات القرن الثامن عشر، والتاسع عشر، في أوروبا. وهذه الطريقة هي في إحلال الشعور الأخلاقي، وموجب المسؤولية، عنصر الضمير ، وعنصر قيامنا بالأعمال كما يجب أن نقوم بها، أو كما تفرض قاعدة اللعب أن يقوم اللّاعب بلعبه - مكان هذا الشعور اللّا- عقلاني. هذا التعصّب الأعمى، هذه العصبية التي تدفع بالناس إلى تقسيم أنفسهم، وتقسيم العائلات، والمهن، والأوطان، والعناصر، والأجناس، مراتب ومقامات - وكل منهم يدّعي، طبعاً، المقام الاول - ويكوّن، طبعاً، التفاوت والتنوّع والاختلاف بين هذه الفئات والشعوب والعناصر جميعها. فعدم المساواة هو من طبيعة الأشياء، وهو أساس التقدم والحركة والحياة، ولكن ليس فيها عالٍ ومنخفض، أو صغير وكبير، أو ذو شرف وغير ذي شرف إلّا في نظر الذي يعميه شعور التعصب: إنما هي جميعها في الحقيقة ألوان لتأليف واحد، وتظهير وتشخيص للطبيعة الإنسانية الواحدة، كالأعضاء المختلفة في الجسد، تتكامل ولا تتماثل".

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه