جفاف الشارع

29 آذار 2020 14:54:38

الشارع اليوم ينبث عن أصله. يعاكس تاريخه. دائماً هو شروع الناس. وهو مسيلهم أيضاً. يبزغ الشارع مع النجم الساهر، ويودّعه ليستقبل شروق الشمس، ولا ينام، حين الأفول، بل يصل الأقدام بالأقدام، تحرسه حتى لا ينام.

فجأةً تمدّد الشارع كالقتيل الطويل. واتّكأت البنايات على جانبيه، مثل الثكالى، تنوح على نهار طويل.

ما عرفت في حياتي، ولا قرأت عن شارعٍ قتيل، له عويل الدهور.

مّن يجرؤ أن يحاذيه، أو يعبر به، خشية أن تتعثر رجلاه بشرشف الحزن الطويل. 

شرشفٌ أسود من الإسفلت، أو من بلاطات القبور، تظهر فجأة، وتصرخ في شبابيك البنايات، فيرتجع الصدى الموحش، ويؤلّف اللحن الجنائزي له بين غصون الشجيرات الساهرات مع القناديل، الحارسات لليله الطويل.

غاب ناسه فجاةً، فسقط كالقتيل. رجّ عويله السبع الطباق، فطار إليه الحمام، واليمام، وبوم الليل. كلٌ ينوح بدوره، فتأتلف معزوفة الموت. ويعلن القتيل الممدّد، موت البلد.

جفاف الشارع، إعلان حربٍ على الصمت. بكى القتيل، وقال: الآن أذوق طعم الموت. بكت المدينة، وقالت: الآن أذوق طعم الموت. بكت صفوف البنايات، وصفوف الشجيرات، وصفوف العربات، وأبواب الحوانيت، ونادت بأعلى الصوت على البطل القتيل.

لم يذق غيره دوس أقدامٍ كما ذاق، ولم يذق صدرٌ مثلما ذاق. ولكنه لا يطيق فراق.

ثكلته الأرامل، فجأة. ثكلته العربات والمهرجانات والأعياد، وقاطرات الدهور. ثكلته صبيةٌ بأسمالها، وصغارٌ بأسمالهم. ومعهم، أثكل مهرجان الزعيم.

جفاف الشارع، إعلان حربٍ بين شارعَين. إعلان حظر لغارة. إعلان حداد ليوم ويومين.

جفاف الشارع اليوم، إعلان موت...

كنت أنتظر موت الشوارع، واحداً تلو آخر.  وكنت أفزع من موتها، تعلن موت المدينة.  تنذر بترك أثوابنا معلقةً على حبال الغسيل، والهروب مع الأصيل.

 منذ سنوات ضرب الجفاف شارع عزمي باشا بطرابلس. فأنكبت المدينة لذقنها. ماتت وراءه مدينة الفقراء. وماتت وراءه عروس النهضات. وماتت وراءه عروس الثورات.

بكى وادي الكنائس حزناً عليها، وأجهشت مآذنها بالبكاء، تشتعل كل مساء، على تاريخ البطولات والتضحيات، وإطلاق أبواق الثورات، من بوابة الجامع الكبير، غب صلاة الجمعات.

جفاف شارع الحمرا، إعلان موتٍ جديد. بيروت، عاشت عمرها المقصوف. صبرت ولا زالت تصبر، ولكن إلى أين.

شارع الحمرا، شاهدٌ على عروس العواصم، تُجرُّ  من شعرها وشوارعها ومشاعرها، إلى الوأد.

من الأشرفية إلى برج المر، إلى الخندق الغميق، إلى ساعة العبد، إلى فردان والبسطا والمصيطبة، وعائشة بكار والساقية، حتى الجامعةوالكلية، والمنار. هول عويل عظيم، يصرخ حمرا.. حمرا. فيرجع الصدى: حمرا. حمرا. حمرا.

صمتُ الحمرا القتيل. صمتُ وادي بني عوف. الخارج مولود، والداخل مفقود. والفنادق التسعون في الحمرا، نادت على الحمام الزاجل، تحمّله الرسائل، إلى جهات الكون، براياتها البيضاء. نادت على الرحيل.

فنادق الحمرا التسعون. جفافُ عروقها. غادرَ النزلاء، ولم يدعوا عناوين لهم. وغرقت العتبات، والسلالم، والشرفات، في صمت القتيل.
 وحدها الشوارع تنبئ اليوم عن القتل الرحيم. 

جفافٌ أصاب البدن المريض. غاب النزلاء، وغادر الزوّار، وأفلس التجار. غابت الوكالات، والعيادات، والمطابع، والمكتبات.

وغابت مقاهي الأرصفة، والبيكادلي، ومسرح المدينة. وغابت الجامعة. فإلامَ تعاند المستشفى، وتمتنع عن الرحيل.

جفاف شارع الحمرا ينذر بهولٍ عظيم. بموتٍ رحيم. موت وطن بطول شارعين بين الجبل و البحر.  

وتصطف البنايات تلبس حزنها كما الأشجار، كما أعمدة الإنارة، تنثر الأرز على وطنٍ قتيل. تخرج في جنازته. 

تطفئ مصابيحها حزناً، وتطفى الإشارة.

تعلن موت عروس المدن، عروس العواصم، وفستانها الأبيض كفناً على وجه الوطن.


(*) استاذ في الجامعة اللبنانية

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.