العالم في ظل "كورونا"

28 آذار 2020 15:32:00 - آخر تحديث: 29 آذار 2020 17:52:52

وباء الفيروس "كورونا" فرض نفسه على العالم ضيفاً ثقيلاً نظراً للنتائج التي خلٌفها: أكثر من 15,000 وفاة حول العالم، وأكثر من 350,000 إصابة موزعة على أكثر من 161 دولة، و300 حالة في لبنان. هي "جائحة" بالفعل، كما وصفتها الأمم المتحدة، نظراً لسرعة انتشار العدوى التي تجاوزت حدود المعقول، علماً أن الحالات التي شفيت تجاوزت عتبة الـ 100,000 حالة.

هذا الوباء، أولاً، كشف هشاشة الأمن الصحي، وانعكاساتُه ضربت عرض الحائط العدد الهائل من العادات والتقاليد الاجتماعية وحتى الدينية، باعتبار الامتناع عن التخالط والتجمعات هو أهم وسائل مواجهة الأوبئة المعدية والجرثومية، تفادياً لبلوغ مرحلة انتشار الوباء بشكل يخرج عن السيطرة.

كما بدأ هذا الوباء بضرب النظام المالي علماً أن العالم كان يعاني أصلاً من الركود الاقتصادي، ما يهدّد العديد من الدول - خاصة التي تحيا على المساعدات الخارجية - بكارثة حقيقية، سيّما عند اضطرار الدول لحصر المساعدات بشعوبها فقط، وانعدام القدرة على مساعدة الغير، وبالتالي وقف الهبات والمساعدات، أو حصرها بالمستلزمات والمعدات الطبية على الأقل.

وإضافةً إلى الاقتصاد العالمي، والعادات والتقاليد، يتهدّد السقوط النُظم البيروقراطية والمركزية في مجالاتٍ عديدة: ففي التعليم، عدد كبير من الجامعات التي كانت لا تعترف بشهادات جامعات التعليم عن بُعد، وجدت نفسها مضطرةً للتنازل، واعتماد هذا الأسلوب تفادياً لمخاطر الاجتماع والتنقّل، وذلك لإنقاذ العام الدراسي، وإنهاءه بأقل خسائر على الطلبة والكليات في آنٍ معاً، علماً أن هناك إشكالياتٌ فرضت نفسها على هذا الأسلوب أهمّها التسرّب الخطير في عدد الطلاب، كما هو الحال مع "مورسيرا"، أكبر شركات الـ "موك" والتي لديها ملايين المسجّلين، ولكن 5 إلى 7 في المئة فقط يتابعون التعلّم حتى النهاية...

وفي القضاء أيضاً، بدأ إصدار قوانين تُشرّع للقضاة التحقيق مع المتهمين في القضايا عن بعد، عبر وسائل التواصل الاجتماعي "الإنترنت" في سابقةٍ حول العالم - ولبنان أيضاً آخذٌ في تطبيقها - علماً أن المطلوب أكثر، وخاصةً في قضايا الإسلاميين وغيرهم ممن لم يتم استجوابهم، بحجة ضيق المكان، أو غيرها من الحجج...

ويطرح السؤال نفسه، هل ستدوم تلك المتغيّرات، وهل يكون العالم بعد كورونا غير ما كان قبله؟! وأيضاً بعد تحول المختبرات إلى خلية نحل واحدة في البحث، والتواصل، وتبادل الخبرات بين الأطباء من خلال شبكة الإنترنت، هل يبقى من ضرورة لعقد وحضور المؤتمرات، وبالطريقة التقليدية التي تلتزم وحدة المكان والزمان؟! أم أن الزمان بات كافياً، وكلٌ من الأطباء يتابع من المكان الذي يتواجد فيه من خلال وسائل التواصل الإلكترونية "الإنترنت"، ويتحولان - الزمان والإنترنت - معاً إلى أسياد المستقبل؟!

أخيراً، وبعد التمنّي لكم جميعاً بدوام الصحة والنجاة من كل مكروه، والتمني أيضاً عليكم الالتزام بكل التوجيهات، لا سيّما الحجر المنزلي، إسهاماً منكم في محاصرة الوباء والحد من انتشاره، لا بد من سؤالٍ تجيب عليه الأيام اللاحقة مفاده: هل تتحول ضرورات الوقاية إلى إنجازات على صعيد التطور والتحوّل في الكثير من مظاهر حياة الإنسان؟ وهل يكون تبدّد العادات ظرفياً، أو لغير رجعة، خاصةً تلك التي تهدر الوقت، وتبدِّد الثروات، وتحول دون بلوغنا الهدف الأنبل والأسمى؟

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.