كورونا العجز الحكومي

28 آذار 2020 13:35:23

الفراغ في مؤسسات الدولة بشع وسيّئ الناتج، والأصل أن تكون المؤسسات الدستورية فاعلة عاملة حتى لو أخطأت، فالخطأ متلازم مع مسار العمل. وفي إطار ذلك ثمّة من يفلح مرات فيما يخفق في أخرى، لكن يبقى أنه يمتلك شرف المحاولة في العلاج. وعلى هذه القاعدة كان الموقف بإعطاء الحكومة فرصةً بُعيد تأليفها رغم الملاحظات الكثيرة على مسار التكليف والتأليف. وانطلاقاً من الحرص على إخراج البلاد من أزماتها بصرف النظر عمّن يكون في واجهة ذلك، كان القرار بمعارضة بنّاءة عاقلة "على القطعة"، تلفت إلى الخلل، وتشيد بالصواب... ولكن!

لقد مرّت المرحلة الأولى من المهلة التي أعطتها الحكومة هي لنفسها لكي تبدأ المسار العلاجي، ورغم كل التعاون الذي لقيته من مختلف الأطراف الذين لسببٍ أو لآخر هم في المعارضة، ورغم الفرصة الضمنية التي حصلت عليها من حراك 17 تشرين الأول، لم يحصل أي تقدم! 

قررت الحكومة أن لا تسدد استحقاق الدين في 9 آذار، لكنها لم تبدأ المفاوضات مع الدائنين بعد، ولم تقدم خطتها لكل الدين العام واستحقاقاته المقبلة، بل بالعكس أعلنت أنها لن تسدد قط، متذرعةً بأزمة الكورونا.

تستنزف الكهرباء 40% من الدين العام، ورغم ذلك تتعامى الحكومة عن فشل كل الخطط السابقة لهذا القطاع، بل وتذهب لاستنساخها من جديد، متخطيةً بذلك اشتراط الدول المانحة إصلاح الكهرباء كمقدمة لبدء مسار مؤتمر "سيدر" الراحل.

تطلب الحكومة مساعدة تقنية من صندوق النقد الدولي، فيأتي وفد الصندوق ويذهب، ثم تذهب توصياته للحكومة بوضع خطة محددة أدراج الرياح. ولا تفاوض معه بعد.

تضع الحكومة في أولى صفحات برنامجها بند استقلالية القضاء، وأول ما تفعله رد التشكيلات القضائية.

ترفع الحكومة بند الكفاءة في التعيينات، ثم للمفارقة تتعطل التعيينات بسبب النزعة الاستئثارية التي تحمل البعد الانتقامي للفريق المسيطر فيها.

تعد الحكومة بحماية الودائع، وبعدم المسّ بصغار المودعين، فيأتي الصراع على مشروع الكابيتال كونترول ليضرب كل ذلك.

و"حتى يتم النقل بالزعرور" أتى فيروس كورونا المستجد. واستجدت معه فضيحة الأداء الرسمي، والفشل في التوافق على إعلان الطوارى كأقل المطلوب في مواجهة هذا الوباء. وتُرك اللبنانيون لمبادراتهم الذاتية والجماعية. ولم تصل الحكومة إلى اجتراح بدعة التعبئة العامة إلا بعد أن بدأت مرحلة انتشار الوباء.

واليوم مع كل تحذير أو نصيحة أو اقتراح باتخاذ إجراءات إضافية ضرورية جداً، كإنشاء مراكز حجر صحي كبيرة، أو إعادة اللبنانيين العالقين في دول العالم بفعل الوباء، يخرج أولياء أمر الحكومة للشتم ثم النحيب واللوم. 

وبدل أن تتعامل الحكومة مع الأزمة المعيشية الخطيرة التي ازدادت وتوسعت وستكبر أكثر بسبب الشلل الاقتصادي شبه التام الذي فرضه فيروس كورونا، وبدل أن تقرر استخدام برنامج رسمي فاعل عامل موجود لدعم الأسر المحتاجة، قررت الذهاب في خيار آخر بلا أي آلية. 

لم تستفد الحكومة حتى الساعة من كل ما توفر لها من فرص مباشرة أو غير مباشرة. بل أهدرتها بالكامل. وعوض ذلك لا تزال تمارس أسلوب رمي المسؤوليات بدل تحمّلها. وإلى أن ينقشع وباء الكورونا عن كاهل البشرية جمعاء ولا يبدو ذلك بقريبٍ بعد، فإن المطلوب شفاء الحكومة من كورونا العجز الذي أصيبت به، لأن المُهل أمامها ليست بطويلة.