هل يستمر الصراع الأميركي – الإيراني على حدّته مع تفشي "كورونا"

فوزي أبو ذياب |

تقدّمْت أولوية مواجهة "كورونا" على غيرها من الأولويات في برامج وخطط الدول، والمنظّمات، والتكتّلات الدولية الكبرى والصغرى. وتعدّلت استراتيجيات العديد من الدول مع ارتفاع أعداد الدول المنكوبة بـ "جائحة كورونا"، والذي تتزايد أعداد المصابين به، والمتوفين منها، بشكلٍ مضطرد وبأسرع من المتوقع. وفيما تستضيف الرياض قمةً استثنائية افتراضية لقادة مجموعة العشرين، برئاسة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لمناقشة "سُبل المضي قدماً في تنسيق الجهود العالمية لمكافحة جائحة كورونا، والحد من تأثيرها الإنساني والاقتصادي"، كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يدعو إلى وقف إطلاق النار في جميع أنحاء العالم. وجاء في دعوته: "دعونا نستلهم الحلول من التحالفات والحوارات التي تتبلور ببطء بين الأحزاب المتنافسة ليتسنى لنا وضعُ نهجٍ مشتركٍ لمواجهة فيروس كوفيد-19"، وهو النداء الذي استجابت له القوى المتصارعة في  ليبيا والحوثيون في اليمن، إضافةً إلى استمرار الهدنة الهشة في شمال سوريا، والتي دخلت حيّز التنفيذ منذ قمة موسكو بين بوتين وأردوغان.
 
كورونا، الذي فرض نفسه على الجبهات العسكرية، خفّف أيضاً من منسوب الصراع السياسي بين الدول، وبات في أولوية عمل الإدارة الأميركية التي تتحضّر للانتخابات الرئاسية، بحيث أن أولوية مواجهة كورونا تشكّل تحدياً شديد الأهمية أمام الرئيس ترامب لضمان إعادة انتخابه. فلم يعد بالإمكان الاعتماد على نتائج استطلاعات الرأي السابقة، والتي أظهرت تقدّمه على أي منافسٍ آخر، فانتشار "كوفيد19" في معظم الولايات الأميركية، وضع الانتخابات الرئاسية على محكٍ جديد.

ووفق المعلومات الطبيّة المتداولة في البيت الأبيض، قد تستمر "جائحة كورونا" حتى شهر حزيران، أو ما بعده بقليل، ما يعني انشغال البيت الأبيض بالداخل الأميركي خلال الفترة الفاصلة قبل انطلاق الحملات الانتخابية في حزيران المقبل، والتي تقتضي التهدئة في أكثر من منطقة وموقع، سواءً مع الصين وروسيا وإيران، أو في الشرق الأوسط أيضاً، وحيث يسلّم البيت الأبيض للمؤسّسة الأميركية بكافة فروعها تطبيق استراتيجياتها المعتمدة، وتسليم خبراء المؤسّسة الدور الرئيسي في قيادة السياسة الخارجية التي تصبح أكثر نمطيةً وأكثر مهنية، بعيداً عن تدخلات البيت الأبيض وسياساته المحدّدة.

في هذا السياق، وفي قراءةٍ لتأثير انتشار كورونا على الحركة السياسية الدولية، توقفت مصادر دبلوماسية في قراءتها مع "الأنباء" عند الصراع  الأميركي- الإيراني، ورأت أن المستجد الذي يحتاج إلى الترقّب والمتابعة هو ما يُحكى عن صفقةٍ أميركية - إيرانية والتي يجري تنفيذها بالتقسيط، حيث أطلقت إيران سراح المعتقلين لديها: الباحث الفرنسي رولاند مارشال، والبريطانية نازنين زخاري راتكليف، وذلك بعد اتّهامهما بالعمالة. وحدث ذلك بالتزامن مع إطلاق العميل عامر الفاخوري في لبنان تحت مطالعةٍ تخلص إلى أن اعتقاله سيؤدي إلى عقوباتٍ جديدة تشمل شخصياتٍ محيطةٍ برئيسَي الجمهورية والمجلس النيابي، وقريبة من حزب الله. وكان سبق أن أطلقت طهران الأميركي شوي وانغ، مقابل إطلاق سراح الباحث الإيراني، مسعود سليماني، والذي أفرجت عنه فعلاً الإدارة الأميركية.

هذا الاتّجاه من التبادل الإيراني – الأميركي برز داخل ايران من خلال المنافسة بين الاتّجاه المتشدّد المستمر في التصعيد العسكري والسياسي بعد مقتل قاسم سليماني، حيث اعتبر كلاً من العراق ولبنان ساحتَي مواجهة، وبين الاتجاه الوسطي الذي يريد تغيير نمط التعامل مع العراق ومع لبنان ليصبحا ساحتَي تلاقٍ وتبادلٍ بين البيت الأبيض وطهران؛ مع الاعتراف بأن الدور الإيراني في العراق تلقى خسائر كبيرة، بينما العكس صحيحٌ في لبنان، حيث حصل تقدمٌ لصالح حزب الله ودوره في السيطرة على الإدارة اللبنانية.

صحيحٌ أن المعادلة في العراق مختلفة عن المعادلة في لبنان من حيث الاستهدافات المباشرة، لكنّهما متلاقيتان من حيث السياسات العميقة لإيران. وهذا ما بدا واضحاً في تلاقي مناشدة صندوق النقد الدولي من قِبل طهران وحلفائها في لبنان، والمناشدة الإيرانية لدول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، دفعَ الأموال الإيرانية المحتجزة في الدول الغربية لمكافحة كورونا، إضافةً إلى مناشدة الرئيس روحاني الشعب الأميركي، والتوجّه له بالشكوى طالباً منه الضغط على الرئيس ترامب لرفع العقوبات عن بلاده، وهو ما يعني أن الوضع في إيران وصل إلى درجةٍ لم تعد الاتجاهات المتشدّدة قادرة معه على الاستمرار في سياساتها، خاصةً مع فشلها في مواجهة كورونا، وبالتالي ترى المصادر أن كوةً فُتحت في جدار التشدّد الإيراني سواءً في العلاقة المباشرة مع أميركا وتالياً مع أوروبا، أو بالعلاقة المباشرة أيضاً مع الساحة العراقية حيث السكوت عن تكليف عدنان الزرفي، وكذلك في الساحة اللبنانية حيث بدا خطاب السيّد نصر الله دفاعياً عكس عادته.

فهل ما نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية، من معلومات عن وساطة عُمانية بدأت تؤتي ثمارَها؟