إخفاق سياسي وتنظيمي

يحتاج تنظيم اجتماع قادة الدول في مكان واحد - أو ما يسمى بالقمة - إلى عناية فائقة، لناحية الترتيبات الشكلية والبروتوكولية، ولناحية موضوعات البحث، أو جدول الأعمال. وعلى الدوام يبقى الجانب السياسي أساسياً في هذا الأمر، وهذا الجانب يحتاج لرؤية استشرافية عند المُنظمين التي يجب أن تأخذ في الاعتبار خصوصيات اللحظة السياسية، ومدى مناسبة هذه اللحظة لطرح الموضوعات، أو إغفالها، كما أن المُراعاة الشكلية لتفاصيل الحدث؛ لها مكانة كبيرة في التصويب باتجاه النجاح، أو باتجاه الإخفاق والفشل.

في العام 1648 انتظر أباطرة أوروبا الستة، عدة أشهر قبل عقد القمة بينهم للاتفاق على إنهاء الحروب الطاحنة التي دارت في القارة في النصف الأول من ذلك القرن، وسبب الانتظار كان للاتفاق على مكان الانعقاد «الجغرافي»، ولناحية ترتيب جلوس الرؤساء «الأباطرة « في القاعة، ولتحديد جدول الأعمال، والتفاهُم المسبق على البيان الختامي. وبعد مشاورات، توافقوا على الاجتماع في مدينة وستفاليا الصغيرة في بيلاروسيا، لأنها محايدة، وقد شرع المنظمون في بناء قاعة خاصة للاجتماع، لها 6 مداخل وطاولة مستديرة واحدة، لكي يدخل الأباطرة في وقت واحد، بمعنى ألا يدخل أحدهم قبل الآخر، ويجلس كل منهم في مكان يتشابه مع مكان الآخر، بهدف إخفاء أي تمييز شكلي بين مكانة أي منهم. وبيان القمة كان من أهم البيانات عبر التاريخ، لأنه أنهى حرب الثلاثين عاماً، وأقرَّ مبدأ سيادة الدول مهما كان حجمها.

ويقول عدد من المتابعين لسير أعمال الاجتماعات السابقة للقادة العرب؛ إن القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية التي انعقدت في بيروت في 20/1/2019 اعترتها العديد من الشوائب، ووصفها العديد من وسائل الإعلام المختلفة بأنها «قمة الإخفاقات السياسية والتنظيمية». ويرى هؤلاء أن مسار القمة بدا كأنه خارج الزمن، أو أنه بعيد كل البعد عن هموم اللحظة السياسية العربية. فبينما عمل لها البلد المُستضيف لكي تكون محطة تستفيد منها البلاد اقتصادياً وسياسياً، ويحصد منها المسؤولين على شهادة على حسن أداء، فإذ بها تؤدي الى نتائج معاكسة، وبالتالي دفعت لبنان الى مزيد من الانكشاف أمام أصدقائه على الساحتين العربية والدولية، وخرِّبت عليه بعض ما كان يمتلكه من صداقات، كما أنها أدت الى توسيع بعض الشروخ الداخلية بين الأطراف اللبنانية المختلفة.

ما هي العوامل التي أدت إلى هذا الحصاد الضعيف وفقاً لرأي خبراء متابعين؟

*اولاً: لأن القيّمين على التحضيرات أخفقوا في بذل المجهودات التي يمكن لها أن تقرِّب المسافات بين المتباعدين من الدول، والوفود التي حملت الدعوات الى الرؤساء العرب من قبل رئيس الدولة المضيفة؛ بدت كأنها غير مؤهلة للقيام بهذا الدور، لأنها تعاطت مع هذه المسألة كأنها واجب شكلي، وليست مُهمة دبلوماسية من الطراز الرفيع، غايتها التحشيد للحضور على أعلى المستويات إكراماً للبلد المُضيف، ولصون مكانة الجامعة العربية.

*ثانياً: ساهم عدم الوضوح عند الدبلوماسية اللبنانية - خصوصاً 
في اجتماع المندوبين - في حالة التردُّد في اتخاذ قرار الحضور الشخصي عند عدد من القادة العرب، كما لمس عدد من المدعوين أن بعض ما جاء في التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية اللبناني يحتوي على شيء من الاتهام بالخضوع لإملاءات أمريكية. ودفعت بعض التطورات الداخلية في لبنان - لاسيما منها موضوع اعتراض البعض على حضور ليبيا - الى إمتناع عدد من القادة عن الحضور الشخصي، وبالتالي سُجل أن قمة بيروت المنوه عنها، حصلت على الرقم القياسي الأدنى لحضور قادة الصف الأول على مدى تاريخ القِمم العربية، ولم يُغن حضور أمير قطر القمة كما قيل، بل ساهم في إنتاج حساسيات سلبية.

*ثالثاً: حاول بعض القيمين على التنظيم في لبنان استخدام منصة القمة لتمرير رسائل في كل الاتجاهات، واستثمار الحدث لغايات ذاتية؛ منها باتجاه الدولة السورية، ومنها باتجاه الأطراف اللبنانيين الذين لا يتوافقون مع سياسة وزير الخارجية. وكان هذا الأمر محل امتعاض واسع في لبنان والمحيط. وقد ظهَّرت التجاوزات التنظيمية صورة الإخفاقات الى العلن، منها على سبيل المثال، دعوة رجل دين لا يحمل أي صفة في ترتيب رؤساء الطوائف الى جلسة الافتتاح، ما سلَّط الضوء على الاستخفاف في احترام الضوابط التي تفرضها القوانين، وأحرج رئيس الحكومة اللبنانية وغيره من الحاضرين.
أمّا لناحية نتائج القمة والمقررات؛ فلا يوجد فيها ما هو جديد، بما في ذلك الفقرة التي تحدثت عن النازحين السوريين. ما حدا بالوفد السعودي للمطالبة بدمج القِمم الاقتصادية مع القِمم العربية العادية لاحقاً.