الحقيقة الساطعة

24 آذار 2020 09:39:53

جلستُ في البيت أتأملُ جدرانه، وأعاين محتوياته، وأحاول ألّا أقارنه بالسجن في اليومين الأولين من إقامتنا الاختيارية فيه للحدّ من انتشار الوباء. وحاولتُ أن أجد ما يخفّف عني امتناعي عن التواصل مع الآخرين، فمرَّ ببالي الأشخاص الذين أقعدهم المرض، وأبعَدَهم نهائياً عن ذلك. فاقتنعتُ بنعمةِ ربّي، وجرّني ذلك إلى التفكير بعد زوال هذا، إلى ضرورة أن نكون إلى جانب بعضنا البعض، وكم كان هذا ضرورياً لتذكيرنا بما أخذته منا التكنولوجيا، والحياة العصرية، من تكافلٍ وتضامن.

وجُلَّ ما مرّ ببالي، هو تلك العين الساهرة التي منعتنا من أن نقع في تجربة الإيطاليين المريرة في هذا الحدث الجلل. عنيتُ تلك القامة الحارسة، والعين الساهرة، اللتان لم يزدهما العمر إلا حكمةً ووعياً. قصدتُ وليد بك جنبلاط، الذي رأيناه منذ اليوم الأول يحذّرنا في رؤياه المتقدّمة من حجم المشكلة، ويمنع وقوعنا في الاستهتار وتقليد اللّا- مبالين. فتحرّكَ، وعملَ منذ الأيام الأولى على التحذير من الاختلاط، وعلى تعقيم كلّ الأماكن، حتى الرسمية منها، مِن جيبه الخاص، فاشترى ووزّع أعداداً ضخمةً من الكمّامات، والمرشّات، وسوائل التعقيم. وقام بما فاتَ الأجهزة الرسمية القيامَ به، وخصوصاً أنه لم تمضِ أيامٌ كُثُر على مساندة مجتمعه لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمعيشية، بطريقةٍ لم تخطر ببالِ أحدٍ سواه...

ولأن أهلنا عوّدونا بأن الضمير لا يغفو، بدأت التساؤلات الناتجة عن خبرةٍ في قلة وفاء البعض، ونسيانهم للتضحيات اللا- محدودة التي دأب منذ استلامه مقاليد الزعامة على تقديمها. وعاد السؤال التقليدي الذي يطرح نفسه بعد انتهاء كل أزمةٍ مصيرية تكرّرت في تاريخنا المعاصر، وانتهت على أتمّ ما نشتهي، بفضل تضحياته التي يتمّ تهميشها بعد كل انتصارٍ يحقّقه، متناسينها ومنقلبين عليها.

سؤالٌ سيبقى يعيدُ نفسه بعد كل تجربة، وربما سيكون هذا مقياساً لحجم الوفاء عند البشر...

فهل، وبعد كل هذا، سنجدُ من سيتنكّر للحقيقة الساطعة؟


(*)معتمد الشوف الأوسط