«الكورونا» والفاخوري والجيش ومصلحة الدولة العليا

24 آذار 2020 08:40:00 - آخر تحديث: 24 آذار 2020 08:52:47

قد يكون أي كلام خارج إطار مواكبة ما سببه فيروس كورونا من أزمة غير مسبوقة، ضربا من ضروب الجهل الإعلامي، ويشبه من يغني للجائع الذي لا يسمع حينها إلى أنين أمعائه الخاوية.

لكن محنة الكورونا فرضت أحداثا ووقائع سياسية جديدة في لبنان، لم يكن وارد أن تحصل لولا الهلع الذي أصاب مختلف شرائح الشعب وقواه الحية.

ومن أبرز هذه الأحداث كان صفقة اطلاق سراح عامر فاخوري المتهم بأعمال جرمية لصالح قوات الاحتلال الإسرائيلية في سجن الخيام قبل انسحابها من الأراضي اللبنانية في 25 مايو 2000، والصفقة لم تكن لتحصل بهذا الوقت بالذات لولا استغلال منظميها لانشغال الناس بمحنة كورونا.

من الطبيعي أن تستفيد الدولة من ورقة العفو عن شخص كفاخوري الذي أوقف في سبتمبر الماضي، وصدر بحقه قرار اتهامي طلب له الإعدام، خصوصا عندما أدرك مسؤولو الدولة والقوى التي تهيمن على القرار فيها، بمكانة فاخوري عند الإدارة الأميركية ولأسباب مازالت مجهولة حتى الآن.

إضافة الى كون الفاخوري يعاني من مرض عضال كما قيل. لكن الغريب في الأمر هو الطريقة التي تمت فيها مغادرة فاخوري بعد منع المحاكمة عنه من قبل المحكمة العسكرية، وبسرعة أشاد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن هذه الطريقة التي اعتمدتها المحكمة لم تراع أية أصول قانونية، وهي المرة الأولى التي تحصل في لبنان، حيث يبرأ لاسباب شكلية تتعلق بالمهل متهم أصدر بحقه قاضي التحقيق في المحكمة ذاتها قرارا اتهاميا بموجب مواد واضحة من قانون العقوبات اللبناني.

كان على رئيس البلاد، او من يمثل السلطة، الخروج بشجاعة أمام الإعلام للقول: إن مصلحة الدولة العليا تقضي بالعفو عن العميل فاخوري، وأن يحدد المقابل الذي جنته الدولة عن ذلك لمصلحة الشعب اللبناني، وكان يمكن أن يصل الثمن في هذه الواقعة الى حد إغراق السوق اللبناني بالدولار الأميركي المفقود، وهو ما يحتاجه لبنان اليوم لمواجهة كارثة الكورونا والأزمة المالية الخانقة التي يئن تحتها الشعب منذ ما يقارب 6 أشهر.

ويمكن للرئيس أن يعتذر من عائلات شهداء المقاومة ومن المعتقلين السابقين في زنزانات الخيام على هذه الفعلة الاستثنائية. وغالب الظن أن الشعب اللبناني الطيب سيتفهم هذا الموقف.

المؤلم فيما حصل في قضية الفاخوري: كان عدم استفادة الشعب اللبناني من هذه الورقة الرابحة، بل على العكس فقد علم أن الاستفادة كانت لأشخاص ومنهم صهر الرئيس ومستشاره اللذان كانا سيوضعان على لائحة العقوبات الأميركية.

ومن المستفيدين ايضا دولة اقليمية بادلت خبراء أمنيين لها، ومنهم إطلاق سراح المهندس الإيراني روح الله نجاد المحكوم في فرنسا بدعوة من الولايات المتحدة الأميركية ضده.

والأخطر من كل ذلك في ملف الفاخوري وما يتفرع عنه، كان الاستهداف الواضح للجيش اللبناني، لكونه وصيا إداريا على المحكمة العسكرية، والتلميح الذي صدر ببعض الإعلام بواسطة نشر صورة «المصادفة» التي جمعت فاخوري مع قائد الجيش، والتي نشرها سفير لبنان في واشنطن غابي عيسى الذي عينه وزير الخارجية السابق جبران باسيل المعني الأساسي بما يدور حول الملف برمته.

وقد توضحت جوانب الصفقة أكثر من جراء التعامل مع تداعيات محنة كورونا، بحيث تم عن قصد عدم إعلان حالة الطوارئ لكي لا يصبح القرار بيد قائد الجيش، وهذا ما أظهرته المناقشات التي دارت في مجلس الوزراء، والكلام الذي أطلقه الأمين العام لحزب الله، وفيه اعتراف بوضع حدود أمام أي سلطة تحاول تقييد حركة «المقاومة» مذكرا بـ 7 مايو 2008، ومخففا من وطأة صفقة الفاخوري، والتي أتبعت باغتيال مساعده أنطوان حويك في قرية المية ومية في الجنوب رغم مرور ما يقارب 20 سنة على محاكمته.