ما بين الحجر المنزلي الصغير والسجن العربي الكبير

منير بركات |

كانت عملية الاغتيال تلك قد حصلت في شهر آذار من عام 1977، وذلك بعد عام من ذلك اللقاء العاصف الذي جرى بينه وبين حافظ الاسد، "والذي أعلن فيه المعلّم بقوةٍ وبحزم أنه لن يقبل، بأي شكلٍ من الأشكال، إدخال الشعب اللبناني في السجن العربي الكبير".

وكانت القوات السورية قبل ذلك اللقاء قد اجتاحت لبنان في ربيع العام 1976، وحقّقت انتصاراً عسكرياً على الحركة الوطنية اللبنانية، وأحدثت بانتصارها ذاك هزيمةً للمشروع الذي كانت الحركة الوطنية، بقيادة كمال جنبلاط، تناضل من أجل تحقيقه، وهو المشروع المتمثّل "بالبرنامج المرحلي للحركة الوطنية"، والذي كان يرمي إلى تصحيح النظام السياسي في لبنان باتّجاه الديموقراطية.

كان كمال جنبلاط، برغم علمانيته، قدرياً. وكان يؤمن إيماناً قاطعاً بأن منيّته لا تأتي إلّا عندما يكون مقدّراً له ذلك. لكنّه كان يغلّب العقل في التصدي للاستحقاقات، ومثلاً عندما كان وزيراً للاقتصاد لفتَ أنظار الجميع بسبب الجهد الذي بذله لتشجير المرتفعات الجبلية الجرداء، مستخدماً في ذلك الطائرة التي كان الاختصاصيون يرمون منها البذور على الجبال بأمل أن تتحول تلك الأرض بفعل الخصوبة، وكثرة المياه، إلى أحراشٍ تغطي تلك المناطق من جبال لبنان، وحماية البيئة، والحفاظ على توازنها. وتبيّن بعد ذلك أهمية حماية  الطبيعة، ومواجهة الاعتداء عليها من مجرمي القوى المنتجة الاقتصادية والاجتماعية واستغلالها، ممّا حوّلها على امتداد الكون إلى قنبلة مفخّخة انفجرت مهددةً البشرية جمعاء.

ورغم أن جنبلاط كان معادياً للطائفية في المبدأ، وبشكلٍ عام، وكان معارضاً للصيغة الطائفية التي يقوم عليها النظام اللبناني، فإنه كان حريصاً على تأكيد زعامته التاريخية للطائفة الدرزية باسم عائلته الجنبلاطية العريقة، والمتوارثَة فيها الزعامة أباً عن جد، والتي ما زالت مستمرةً بروافد غنيةٍ من وليد جنبلاط، وبملامسة تيمور جنبلاط للواقع الموروث، والملموس من سلفه. كان كمال جنبلاط يزاوج بدقة بين قيادته للحركة الوطنية ومشروعها الإصلاحي، لكنه في المقابل يحرص على احترام التقاليد والشعائر الدينية الخاصة بطائفة الموحّدين الدروز، ولا يسمح بتحدّيها. 

في معظم الأزمات والتحديات، كان وليد جنبلاط، وما زال، يقدّم نفسه قائداً وطنياً صلباً مما أكسبه التفافاً واسعاً من المستقلّين، والنُخب الثقافية، ورجال الدِّين، وأوساط اليسار والتنويرين، وهو الذي لم يميّز بين كنيسة وجامعٍ، وخلوة، وبين جمعيةٍ وأخرى، وبالتعامل المتساوي مع كل محتاج  يقصده بعيداً عن انتمائه المذهبي، ولم يبخل يوماً بمساعدة اجتماعية، أم تربوية، أو صحيّة وغيرها. 

والملفت في وليد جنبلاط هو تقدّمه في مواجهة خطر "الكورونا" بوضع كل إمكانيّاته الحزبية، والمادية، وموقفه السياسي، وملأ الفراغ الذي تتركه الدولة وتخلّيها عن تسريع دورها الإنقاذي، وخضوعها للارتهان السياسي، وهو الذي يضع بأولويته حماية الشعب اللبناني بمجمله، وتحصين الموقف بالدعوة الحثيثة للوحدة الوطنية في هذا الظرف التاريخي الخطير. ويبقى السلاح الأمضى هو دعوته إلى إعلان حالة الطوارئ، والحجر المنزلي الصغير والذي يشكّل منقذاً للأكثرية الساحقة من شعبنا، بعكس السجن العربي الذي أباد الملايين من شعوبنا.

*رئيس الحركة اليسارية اللبنانية