هل سنصبح أكثر إنسانية بعد "كورونا"؟

رامي الريّس |

ليس ما تشهده الكرة الأرضية ومختلف المجتمعات ظاهرة عادية تقليدية، وليس العجز الدولي أمام فيروس "كورونا" مجرد تفصيل ستعود بعده دورة الحياة إلى طبيعتها دون تغيير يذكر أو تبديل في الأنماط التي درجت عليها الناس في مختلف البلدان والاقطار.

لقد سبق أن شهدت البشرية أمراضاً وأوبئة أتت على الملايين من البشر وتجاوزت الحدود السياسية للبلدان  التي رسمتها النزاعات السياسية والدموية والحروب، وبعض تلك الأوبئة حصد في أيام قليلة عدداً أكبر من الأرقام التي سجلها حتى اليوم فيروس "كورونا"، وثمة دراسات ومقالات عديدة تعرضت لأنواع تلك الأمراض وحجم انتشارها، حيث أن البعض منها يعود إلى قرون مضت والبعض وقع في الامس القريب.

مهما يكن من أمر، المقياس لا يمكن أن يكون الأرقام والأعداد، فالناس ليست أرقاماً، بل مجموعةات من البشر لكل فرد منها حقوقه وأحلامه وتطلعاته وحاجاته وطموحاته، وثمة من كان يدمرها بصورة منهجية ومتعمدة وفي طليعة هؤلاء الأنظمة العميقة والديكتاتورية (العربية وغير العربية بطبيعة الحال).

وإذا كانت التجارب التاريخية المدمرة قد قضت على أحلام الشعوب وعاملت المواطنين في تلك الدول كأرقام يمكن التخلص منها لبث الرعب، فالأمراض سلكت طريقاً مختلفاً وبعضها- للمفارقة- إستهدفت أيضاً الفقراء وغير المتعلمين لغياب الوعي والنضج والمعرفة الكافية (والسبب في ذلك مجدداً الأنظمة الديكتاتورية التي تركت شعوبها فريسة الأمية والجهل لتواصل سطوتها على السلطة لعقود وعقود دون انقطاع).

ولكن، بمعزل عن كل ما سبقت الإشارة إليه، "كورونا" فعل أمراً مختلفاً كلياً. أوقف المطارات والقطارات والمطاعم والملاهي، المدارس والجامعات، المصانع والمزارع. أوقف السياسة والفلسفة والجغرافيا. عملياً، أوقف الحضارة الإنسانية برمتها. المليارات من سكان العالم يلزمون بيوتهم في ظاهرة تاريخية غير مسبوقة في مواجهة جرثومة غير معروفة تخترق الأجساد وتنتنقل بسرعة البرق. تتخطى الحدود والمباني والجدران لتصل إلى مجموعة كبيرة من البشر.

هل نحن أمام شكل جديد ستأخذه الحضارة الإنسانية بعد هذا المنعطف؟ هل ثمة قراءة جديدة للنمط الاستهلاكي الرأسمالي الريعي الذي سيطر على كل مفاصل الحياة الإجتماعية والإقتصادية والمعيشية؟  هل ثمة مقاربة جديدة أكثر إنسانية لمشاكل الفقراء والأمية وغياب المعرفة والوعي؟ هل ثمة مقاربة جديدة لمشكلة التغيير المناخي التي كانت تعطي سكان الأرض الإنذار تلو الإنذار دون أن يلتفت إليها أحد، مرة فيضانات ومرة انهيارات ومرة حرائق ونيران تلتهم الغابات ومرات ومرات هزات أرضية وإرتدادات الخ...

هل تشكل "كورونا" رغم كل المآسي التي تولدها منعطفاً في الحياة الإنسانية لعلها تستعيد بعض إنسانيتها المفقودة وتصبح مجدداً أكثر إنسانية؟