بين الرسم والنحت والقصيدة دوّن غاندي كهف الإبداع

هيثم عربيد |

أترعَ الفنُّ بغمرِ سيمفونيَّةِ ترانيمِ النّورِ، وهو خلفَ مشهديَّةِ وسُرياليَّةِ منى الفنّانِ، الّذي استسلَمَ لعشقهِ بثلاثيَّةِ الرّسمِ، والنّحتِ، والقصيدةِ.. وقد دنا منهُم، ليغزِلَ ثوبَ كهفهِ الفنيِّ، وبالعُمقِ فهو يغزِلُ ثوبَهُ المتحدِّثُ بنبلِ الجمالِ، فوقَ زخرفاتِ وتشكيلاتِ العقلِ المُتَمْتمِ بالألوانِ، لتنضحَ الأيقوناتُ والرسوماتُ والقصائدُ المتكلّمةُ بسنائِهِ المتنوِّعِ!...

هو عابرٌ ومتألِّقٌ بكلِّ هذا البُعدِ الوجدانيِّ الخلّاقِ، لأنَّهُ يمنعُ ضبابَ الحيرةِ والإلتباسِ، ويكتبُ وحيَ الحبِّ المتعقلنِ، ليُحْي حلاوةَ الأيّامَ الآتيةِ بوجدانيَّةِ المحبَّةِ، كي ينظِّمَ ما تنثرٌهُ الحياةُ، وينثرُ ما نظَّمَتْهُ، بروحٍ من لولبةِ ودندنةِ لغةِ الأقوى والأمضى في عبقِ الحقِّ الإبداعيِّ، والإبداعِ الحقيقيِّ!!.. نعم يا صديقي الحبيب غاندي، لقد غزلْتَ وشوشاتِكَ الفنيَّةَ على مغازلِ الذّكاءِ، وحبَّرتَ البراعةَ السّائلةَ بجوارحِ النّفسِ المتمرّدةِ والتوّاقةِ لثورةِ العطرِ تلْوَ العطرِ. وأنتَ ما زلْتَ ظامِئاً في واحاتِكَ التوّاقةِ للإرتواءِ الفكريِّ والإرتقائيِّ المتزايدِ والمتجدِّدِ، لترتويَ من بحورِ فنِّكَ اللامتناهي في مضمارِ المعنى والعِبَرِ، وأنتَ تُأنسِنُ تعبَ الأجفانِ وتجاعيدِها من سلامِ هذه اليقظةِ المتنوّرةِ بالموهبةِ، والغامزةِ من أقانيمِ وجداولِ الحبيبِ الأكبر!...

بذياك يتراءى الوطنُ بحقيقتهِ، ومطرقةُ النّورِ تمضي، وإزميلُ الرّيحِ يَعصِفُ، لتنْعَتِقَ من المحدودِ بالمعنى الآسرِ، وتنتقِيَ نَغَمَ انفعالاتِ النّفسِ الّتي تتخطّى الرُّقادَ بالحياةِ، وتكتُبُ بينَ جبهاتِ الرّوابي معنى السُّموِّ، وهي تتخلَّصُ من عويلِ الهاويةِ، وتعتلي التحلّي المتنوِّرَ في النّضجِ، ونحنُ نُدرِكُ بأنّ الكهوفَ تعيدُ صدى الأصواتِ ولا تسمعُها. ولكن، مع السُّرياليَّةِ الغانديَّةِ، اعتلَتْ الإشراقَ، وتغطرَسَت بسكونِ الشّموخِ الإنسانيِّ، وهي تستلهِمُ شاعرِّيَتَهُ لتضيءَ عناوينَ ثورةِ الذّاتِ الممهورةِ بمنعِ المنسوبِ التراجيديِّ، كي تتسامى ببسماتِ الوعيِ الإشراقيِّ، وندى الإغراقِ في المنتهى التّحرّريِّ الباسمِ أبدا. وها قد أضحى الفنُّ معكَ، ومع المبدعين، يستلهِمُ وحدَتَهُ، ويسترسلُ بوحدةِ الوجودِ كلَّ الوجودِ!!!...

ها قَدْ هفتْ ريشةُ الفنَّانِ، وجعلَتْنا نحلِّقُ بما خطَّتْ خلفَ عيونِ السّحرِ وترجماتِ الخيالِ، وهي مَنْ تغلغَلَت في أفكارِنا وعقُولِنا بلهفةِ كهفِكَ المسكونِ. وقد طمسَ السُّهى نفوسَنا وذواتِنا، عندما بدأَ الحوارُ المفقودُ في الوطنِ، والمغرومُ والمتكلِّمُ والصّارخُ داخلَ كوكبةِ اللّوحاتِ، ونغماتِ الأيقوناتِ، ودغدغاتِ المنحوتاتِ، ومعزوفاتِ التُّحفِ، وخلفَهُم صدى القصائدِ المدوَّنَةِ برذاذِ المطرِ. وهنا استرسَلَتْ الشَّمسُ بتسلُّلِها خلفَ الغيومِ، لتُدوِّنَ التحدِّيَ بحقيقتِها، كي يتمظْهرَ كهفُ الفنونِ بقوسِ قُزحِ الجمالِ كلَّ الجمال!!!...

أمّا الأصالةُ الّتي لم تتوانَ عن التغنّي بذاتِها، بعدما اعتمرَتْ سُرياليَّتَكَ الغانديَّة، الّتي أغرقتْنا بكثيفِها التّعبيريّ، ما حرَّكَ لطيفَ الشّاهدِ بذاكَ الوقعِ التّحليليِّ، ما بينَ رؤى الماضي والحاضرِ والمستقبلِ، وعندَ منعطفاتِ الرّوحِ الآخَّاذةِ بالتكوّرِ والإرتقاءِ. وهنا، تسامى اللّطيفُ العابقُ بمشهديَّةِ زرعِكَ الفنّيِّ الوطنيِّ أيُّها المبدعُ. وأنتَ قَدْ أعدتَ لنا قريةَ الحقيقةِ، وحقيقةَ القريةِ!.. وما زلْتَ تحاورُ الطلّابَ والأجيالَ بأنقَى مرتكزاتِ العالمِ، وهي مرتكزاتُ الكمالِ التألُّقيِّ الرؤيويِّ الفنيِّ، مع نبهِ الثقافةِ، وروضِ المعرفةِ، وكينونةِ الأصالةِ الضّيعويَّهِ المُتجذِّرَةِ والمغمورةِ بالطلِّ الصّباحيّ، للهادي الأنقى والأبقى!!...

ونختُمُ بالقولِ: تجلّى الفنّ وبالحبّ صلّى.. حتّى الإبداع للقلب حلّا.. طل الكهف بفنون النّور.. يغمر جمال الوعد والصّمت ولّى.. وزهر الحقيقة بأيقونتك نجمات.. والكون شمس وفنّك تولّى.. يعانق صفاء النّفس والذّات.. ويغمز غاندي بموهبة الله...