لبنان كلّه في الحجر الصحي.. والعبرة في التنفيذ

19 آذار 2020 12:29:20

أما وقد أصبح لبنان كله بالحجر، فمن السابق لأوانه إذا ما سيكون الحجر صحياً، كما يُراد له. الخطوة على قساوتها لا بد منها، ذلك واجب تحتّمه المسؤولية الوطنية في توفير الحماية بقرارات صعبة تكاد تكون من أخطر القرارات وأصعبها على إقتصادات الدول. وتبقى العبرة في التنفيذ، وفي إقفال المعابر غير الشرعية قبل المطار وغيره من المنافذ الرسمية.

ما يجري في العالم كلّه، لم تشهده المعمورة في تاريخها. قد يصل الأمر إلى عدم إقلاع طائرة من على مدرج مطار، بورصات عالمية يتم إغلاقها، أسواق تقفل، ونفط يهوي.

سبق اللبنانيون بإجراءاتهم قرارات الدولة، التي تأخرت نسبياً، لكن أن تأتي متأخراً أفضل من أن لا تأتي أبداً. يفترض بهذه الإجراءات أن تخفف من من حدة انتشار الوباء، فيما المشكلة المتفاقمة لا تزال تتعلق بتوفير المواد الطبية الأولية لإجراء الفحوصات، والتي كانت بالأمس متوقفة بسبب الأزمات المتوالية في البلد الذي لم تتوقف النوائب عن اقتحام مؤسساته ومنازله.


وسط هذه الأزمة البشرية الهائلة، ينقسم اللبنانيون كعادتهم حول تطييف المرض، وتسييس مصدره، بدلاً من الإنشغال في التكاتف الوطني لمواجهته والحدّ من تداعياته بدلاً من تكريسه مسهماً في تعزيز الإنقسام، الطائفي والمناطقي. خصوصاً وأن البعض يعملون على حصره جغرافياً ومناطقياً، وكأن للكورونا في لبنان نوازع فدرالية وتقسيمية أو تمييزية بين بيئات المجتمع المختلفة.


الآثار الإقتصادية التي ستتركها أزمة الوباء على الصعيد العالمي، من شأنها أن تسلّط الضوء على كوارث إجتماعية وإقتصادية هائلة، فها هي أعتى النظم الرأسمالية والليبرالية، تطلب من حكوماتها التدخل بميزانيات هائلة لضخها في الأسواق وتقديم المساعدات الإجتماعية والطبية والصحية، وكأن هذه النظم تحولت إلى النظام الإجتماعي الديمقراطي النموذج المتطور عن الأنظمة الإشتراكية.

يشهد التاريخ في حقباته على مرّ الزمن، دخول عوامل وأمراض طبيعية تؤدي إلى تغييرات جذرية في البنى السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وتنعكس على الحياة البشرية وطبيعتها. لم تكد تمرّ أشهر على القرار البريطاني بالإنفصال عن الإتحاد الاوروبي، حتى جاء وباء كورونا ليقفل الحدود بين دول الإتحاد ويمنع عبور المواطنين الأوروبيين بين هذه الدول، أو لجهة إقفال الحدود بين الولايات المتحدة الأميركية وكندا، والتي تتطابق أيضاً مع وجهة نظر دونالد ترامب في إجراءاته لإغلاق الحدود مع المكسيك أو حجبه تأشيرات السفر لمهاجرين ووقفه سياسة منح الجنسية الأميركية. لتصب الطبيعة جم غضبها على هذه التركيبة العالمية، وتعمل على أيضاً على خط تصغير الكيانات والدول.
 

إذا ما كان لبنان في مئويته الأولى على طريق التغير الجذري، بحيث سقط النموذج الذي نشأ قبل مئة سنة سياسياً وإقتصادياً، بفعل أزمات متعددة لا يبدو أن الخروج منها سيكون قريباً، فإن أزمة كورونا ستنعكس على قطاعات أخرى لا سيما إقتصادية بحيث أن الإقفال الحاصل اليوم وعلى ضرورته الصحية والطبية والإنسانية سيؤدي إلى مزيد من الإنهيار الإقتصادي الذي سينجم عنه ارتفاع في نسبة البطالة وقد يؤدي إلى مجاعة مستقبلية.

العالم بكليته يقف أمام ازمة لم تهدده منذ مئة سنة أيضاً بفعل الإنقلاب الحاصل اليوم على نتائج أرستها الحرب العالمية الأولى، وقد بدأت تنهار، ليأتي الوباء متمماً لهذا الإنهيار.