كمال جنبلاط وطاقة الإنسان النفسيّة

حسن بحمد |


للمعلم كمال جنبلاط نظرة فلسفيّة لافتة عن مظاهر الحياة، وخصوصيّة حياة الإنسان، وما يحيط به من طاقة. ويرى في طاقته النفسيّة قاعدة ديمومة الطّاقة، وقد عرض نظريّته هذه في إحدى المقابلات التي أُجريت معه في العام 1974، حيث وردت فيها آراء قيّمة تُمهّد إلى تسليط الضّوء بدقّة على مفهومه للإنسان، والتّأثيرات التي تطاله، (1): 

وأهم ما ورد في حديثه عن الطاقة النفسية للإنسان، " إنّ مبدأ الكائن الحيّ يتناقض مع مبدأ الانخفاض التّدريجي للطّاقة وضياعها، وفي الكائن الحيّ قوّة تنطلق من مستوى الطّاقة الفيزيائيّة – الكيميائيّة وترتفع بها إلى مستويات أُخرى (هذه القوّة تستخدم المادّة الكيماويّة وتحوّلها إلى حركة). وفي الحقيقة نرى أنّ ظاهرة التّوالد هي المستوى الفاصل بين الخليّة الحيوانيّة وبين المادّة – وقد يحدث ذلك بشكلٍ بدائيّ، ما يسمّونه بالبلوريّات – فالظاهرة البلوريّة تشبه إلى حدٍّ ما بتوالدها الطّريقة التي تولد بها الكائنات الحيّة، والعِلم لم يقرّر بعد إذا كانت الميكروبات البلوريّة حيّة أو مادّة بحدّ ذاتها، أم هي الفاصل الطّبيعي بين المادّة والحياة، إذا كان هنالك من فاصل.. وفي الواقع، لا يوجد فاصل في المعنى المطلق والعادي للكلمة.

في ملاحظة دراسية يرشدنا المعلم كمال جنبلاط إلى بعض مصادر اختباره " فالتّكوين يبدأ من تركيب العناصر البسيطة: الهيدروجين في أدنى السلّم التّركيبي، وكلّما ارتفعنا ازداد عدد الأجسام الماديّة البسيطة (غير المركّبة)، وكلّها تخضع لقاعدة "فيتاغورس"(2) العدديّة، إلى أن ننتقل إلى مستوى الأجسام الثّقيلة. فالعدد بنظر "فيتاغورس" هو أساس الكون وقاعدة العقل البشري. تقول القاعدة: الواحد في أساس الكون، الواحد يبرز منه إثنان بواسطة الاستقطاب. وهذه ظاهرة لا نستطيع أن نفسّرها، ولا نستطيع أن نعرف لماذا ينتج عن البلاسما سلبيّ وإيجابيّ، بينما البلاسما بحدّ ذاتها غير سلبيّة وغير إيجابيّة. إنّ ماهيّة الأشياء ما تزال مغلقة، إنّها معطيات، وتيّار الحياة يبرز ويتشعّب كلّما ارتفعنا في سلّم هذا التّركيب والتّعقيد. وثمّ يبرز العقل مع الإنسان"(3). 

وعلم العقل الأرفع فيما يعنيه المعلم جنبلاط هو الحكمة التي فيها استنارة الباطن بإشراق نور المعرفة، أي الكشف الروحي الذي يبدد بها ظلمة سراديب الفكر ومهاوي القلب(4). وهنا يرى جنبلاط أنه وإذا ما تنزل هذا الكشف في خلايا الروح، واستقرّ  في ثناياه كمن يتركز في محور ذاته وفي نقطة بيكار دائرة عالمه الداخلي وعالمه الخارجي، دنيا الأفكار والعواطف، ودنيا الحواس، حلَّ الانسجام في نشاطات العقل الأدنى والفكر وفي تصرّفات الحواس والجسد، فأضحى الكائن كاملاً تاماً متوافقاً مع مثال شرعة إبداعه، في سعي الموجودات الظاهرة إلى استكشاف مثالاتها التي تبطن سماء العقل في فعل إبداعه، وفق النظرة الإفلاطونية المعروفة(5).

إذاً، نرى أنّ بحث كمال جنبلاط في الطّاقة النفسيّة، قاده إلى حقيقة أنّ التّكوين يبدأ من تركيب العناصر البسيطة. ولذلك،" فالطاقة النفسيّة، هي قوّة افتراضيّة غير ظاهرة للعيان، تستعين بها النّفس على أداء أعمالها، ولأنّها قوّة افتراضيّة فإنّه يصعب قياسها مادياً أو تحديدها ظاهرياً، وهي تعبّر عن وجودها من خلال قوى مختلفة توجد في الشخصيّة مثل الإرادة والعاطفة والتّركيز والرغبة والميول والنّوازع المختلفة.  

إن وظائف الطاقة النفسية عند المعلم كمال جنبلاط  تقابلها وظائف للعقل هي وضع نظام للاشياء من خلال تبيان علاقاتها بعضها ببعض، ونظم هذه العلاقات في إطار منسجم .وهناك الاخلاق والرمز الذي يولد اللغة، والاسطورة ، وهناك ظاهرة التفتيش عن الحقائق في الوجود المادي والمعنوي الخارجي والداخلي، والتعبير عن ذلك بالعلم العادي والدين والفلسفة والفن. كما يعتبر جنبلاط الشخصية من وظائف العقل الى جانب البحث عن الحقيقة الاخيرة للوجود في العرفان وفي العلم التجريدي، وخلق المفاهيم، وبالتالي الحضارة(6).

إننا وبالارتكاز إلى كلّ ما ذكر جراء الطاقة النفسية، يرى كمال جنبلاط، أنّ هناك ثلاثة نوازع أساسية وجوهرية للإنسان، كل إنسان، ومنها تتفرع النزعات، أوالرغبات، أوالإرادات، كما يوضح ذلك الحكيم شري اتمانندا(7).

الأولى: نزعة الديمومة، التي تفسّر توق الإنسان إلى الخلود الشخصي، ومن خلال إبداعه للفلسفة والدين، وشغفه بهما. 
الثانية: نزعة السعادة، ونطلبها أيضاً في العالم الخارجي، وفي تقصي الفكر، وفي التعبُد، وفي كل شيء، ولولا السعادة وطلبتها، لما تحركت فينا جارحة، وتوجه حسّ، وكأن السعادة هي صميم التكوين.

الثالثة: نزعة الحرية، هي لا تنفصل عن العقل وتكوينه، وصيرورته، مهما تبجحت بذلك بعض العقائد السياسية، فحيث لا توجد الحرية، يظل الإنسان خاضعاً لأبشع أنواع الارتهان، ألا وهو قيام وصي على عقله، ونظام للوصاية المستأثرة، على جميع شؤون حياته الفكرية، والنفسية، والاجتماعية. 

والخلاصة، حول الإنسان من المواجهة النفسية في منظور المعلم كمال جنبلاط من خلال كتابه "المادة والروح الفلسفة والمعرفة" هو  أن " طاقة الحياة طاقة مترفٌعة ومشدودة على ذاتها، من الطاقة المادية، والطاٌقة النفسيّة طاقة مترفٌعة لطاقة الحياة. ومن خصائص طاقة الحياة أنها تشكٌل كائنات: أولاً: قابلة للنٌمو الذاتي، وثانياً: هي نظام منغلق ومستقل بحد ذاته ، وثالثاً: تناقض مبدأ  الانخفاض التدريجي للطاقة . 
وهنا اعتبر المعلم جنبلاط  أن خصائص طاقة النفس تنعكس على ذاتها في هذه الوظيفة التي نسمّيها فكراً. وتستطيع أيضاً أن تتمتٌع ببعض الاستقلال بالنسبة لذاتها، فإنّها إذّاك الشاهد للأفكار والشاهد للتفكير، فطاقة النفس تتشرف على مقام رفيع غير معروف في المستويات الأخرى للتطور وهو الوعي والمعرفة. لقد ذكر كمال جنبلاط أن الطٌاقة النفسيٌة يتحكٌم فيها الزمان، لا المكان، أو هي تولٌد مفهوم وحيز الزمان، ووظيفة العقل المستنير ترتفع بالمعرفة إلى مرتبة الحركية فيما يقابل قدرية الغريزة . وبرؤية جنبلاط أن التيٌار النفسيّ أو الطاقة النفسيّة  وفق التعبير الفرويدي، هي طاقة كسائر الطاقات التي تتشخص في مختلف مستويات الظهور الكوني، وتنطبق عليها قاعدة  كلّ كبت يتحول في حياة الصحو إلى خلل نفسي أو في حياة الحلم إلى تعويض  غير عادي، والقاعدة السببيّة أن أعمالنا تتبعنا  والحقيقة، أفكارنا تتبعنا،  كما يفكٌر الإنسان كذلك يكون(8). 
 
المصادر والمراجع:
 (1): د. خليل أحمد خليل: كمال جنبلاط ثورة الأمير الحديث، ص (594، 595، 596)، لبنان، دار المطبوعات الشرقيّة، 1974، ملحق الكتاب الثّالث: كمال جنبلاط في مقابلة خاصّة في العام 1974 (الثّقافة والسّياسة، العلم والدّيمقراطيّة).
(2): عالِم رياضيّات يوناني عاش في القرن السّادس قبل الميلاد.
 (3): د. خليل أحمد خليل،المرجع السابق
 (4 ): كمال جنبلاط،افاق نورانية،الدار التقدمية،الطبعة الاولى 2003،ص11.
(5): كمال جنبلاط،افاق نورانية،الدار التقدمية،الطبعة الاولى 2003،ص12.
 (6): كمال جنبلاط،افاق نورانية،الدار التقدمية،الطبعة الاولى 2003،ص15.
 (7): كمال جنبلاط،افاق نورانية،المرجع السابق،ص،15.
 (8): كمال جنبلاط،المادة والروح الفلسة والمعرفةالطبعة الاولى،2010،ص،121،122.

(*)  كاتب وصحفي