كمال جنبلاط وأدب السّلام ... بعيداً عن الكورونا

17 آذار 2020 13:55:29

في هذه الأيام الصعبة أصبح العالمُ كلّه تحت رحمة الكورونا. والمرعب أنه حتى تاريخه أصبح عددُ المصابين يناهز 170,000 شخص، وصولاً إلى إصابة عددٍ كبيرٍ من المشاهير على كل الأصعدة من سياسيين، وممثّلين، ومبدعين. والتعليمات الطبّية، وعلى أعلى المستويات، شدّدت قبل القيام بخطوةِ إعلان حالة الطوارئ على أن القواعد الأهم لعدم الإصابة بهذا المرض ثلاث: الابتعداد عن المصافحة باليدين، والابتعاد عن المعانقة، والحديث عن بُعد، ما بين المتر والمتر ونصف. وهنا نصل إلى كتاب "أدب الحياة" للمعلّم كمال جنبلاط، والذي يجسّدُ مدرسةً استقرائيةً في كل مجالات الآداب، من أدب الجلوس، إلى أدب المجالسة والكلام، إلى أدب السلام، إلى أدب الأكل، إلى أدب الشرب، إلى أدب معاملة الجسم، إلى أدب عيادة المرضى، إلى أدب الجلوس في الأماكن العامة، إلى أدب النظر، إلى أدب السماع، إلى أدب الشعور، إلى أدب الفكر، إلى أدب الإنسان نسبةً إلى الطبيعة الخارجية (البيئة)، إلى أدب الصيام، إلى أدب الحب، إلى أدب المجادلة والنقاش، وصولاً إلى أدب السياسة. إنها كوكبـةٌ رائعـةٌ وإبداعيـةٌ في أصول أدب الحيـاة. وما يعنينا في موضوعنا هذا هو ما كتبه المعلّم في أدب السلام، والذي لو طبّقته الشعوب لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فيقول: "قد يكون السلام فيه من الرجولة، وحلاوة التوجّه في آن واحد، ما يضفي عليه صفةً من القوة، وضرباً من الاعتزاز، فيوحي بالثقة بالنفس وبالصراحة، وبالثقة بالآخرين، وهو أفضل السلام، على ما تعوّدته في ذلك الشعوب ذات التقاليد العريقة في الفروسية والشهامة والشجاعة المعنوية، من الرومان وقدماء اليونان والعرب وسواهم، فكان سلامهم عن بُعد دون أن يضع الرجل يده في يد الآخر، ودون مصافحة، أو معانقة. وفي هذا الابتعاد المقصود والتجنّب المعتمد، أكثر من دلالةٍ على تقدير الإنسان لأخيه ورفيقه، والاقتصار في كل ما يخرج عن عفوية التصرف، وبساطة المواجهة، ورصانة الالتقاء؛ وفي كل هذا نَفَسٌ من الترحيب، وصِفَةٌ من الصداقة والأخوة، ومرتبةٌ من المساواة لا تتوفّر في غيرها من أنواع السلام لدى مَن يصافحك، فيكاد يخلع يدك من كتفها لشدة ما يصطنعه من قوة الجذب، أو يستولي على يدكَ فلا يكاد يتركها، وسواها من الأطوار في سلام الناس ... 

ويُبدع المعلّم عندما يتحدث عن فلسفةٍ تلمُّس الأيادي، فيقول حرفياً: "مجرّد لمسِ اليد لليد الأخرى ينشط منها، وينزع قسماً من القوة النفسانية التي تكون في الشخص، تماماً كما تتوزع الكهرباء، وتنفقد باتّصال الأسلاك، أو الآلة المولّدة بما يُسحبُ منها هذه القوة على دفعاتٍ، أو كلياً، أو جزئياً، فتضيع في الأغصان، والمعادن، والتراب، والماء، وسواها. والطاقة النفسية عند الإنسان تنمو وتقوى إذا تمكّن من أن لا يلامس أطرافه شيء. لذلك كان كبار الأولياء والحكماء لا يرغبون في سلام اليد. ويختتم المعلّم أدب السلام بالقول: " فَلْنَعُدْ إلى هذه العادات الجميلة القديمة في السلام، فهي من نتاج اختبارات الأجيال، ولم يبتدعوها عبثاً. وليكن سلامُنا من بعيد، ولتكن فيه علامات المروءة، والرجولة، والتواضع، وحلاوة اللفظ، وأدب التطلّع والتوجّه في آنٍ واحد، فذاك هو الأفضل" ...

نظرةٌ بسيطةٌ إلى هذا الفكر الذي قارب شتّى أنواع الآداب، ويتراءى لنا كم كان المعلّمُ ذي قيمةٍ، وقامـةٍ فكريةٍ أدبية فلسفية عالمية. وباستشهاد كمال جنبلاط فقدت الإنسانية جمعاء أحد عظمائهـا.

كمال جنبلاط مساحةُ الفكر في ضمير الإنسانية.

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود