مكافحة الوباء في "أدب الحياة"!

... ولم تُفلح السنوات الثلاث والأربعون في كبت الدمعة المترقرقة في الأحداق التي لا تزال تنظر إلى ذاك اليوم الغادر، وهو يجتثّ من تراب الحياة المجيدة غرسة حبّ وسلام، وفكر تجاوز حدود الزمن الضيّق الذي كبّلته به ولادة الجيل، فكان أن سكبته الرصاصات القاتلة أخدود دم مُحيٍ ليوُلدَ في أجيال وأجيال... وليبقى... فبُعثتَ متجدّدًا في كلّ لحظة، وعند كلّ مفترق طريق، وفي هبوب كلّ عاصفة هوجاء كادت أن تذهب بنا، لتكون دائمًا الوتد العصيّ على رياح يشوبها الأنانية، والحقد، والظلام، فتخرج لنا شمسًا حقيقيّة لا يعتريها غروب، ولا يبتديها شروق "في مجلى شهود الذات" إذ تعرّت "أناك" الظاهرة من أكفان الجسد والفكر المادّي الضيق، والحواس، والجاذبة إيَّاها حيث يلتقي النور خارجًا، ولا يُعاد به إلى مصدره، وأشرقتَ في نفوسنا العطشى نورًا، هو من ذاك النور، والصوت يصدح بأنشودة أحد المتصوّفة:

طلعت الشمس من أحبّ بأرضٍ        فاستنارت فما عليها غروب
إنَّ شمس النهارِ تطلع في الليل        وشمس القلوب ليست تغيب

نعم، سبحانك ربّي، وقد أشرق الكمال شمسًا لا تغيب، تموج مع السنابل الذهبيّة، وتتغلغل في بيادر الروح خبزًا وطحينًا، ونعتصر دماها الورديّة عند الأصيل خمرًا، فتكون الملاقاة للفجر حياة لا يعتريها الرحيل. 

وتدور الدنيا، وتذهب شموس لتنادي شموسًا في وحدة التكوين، ونرنو وجهًا باسمًا يفتح لنا مع الأيّام كوّة للأمل، بعد أن تغيّر الزمن، ومات الإنسان فينا، ولم يعاود النهوض؛ فيا للموت الرخيص، حيث تعلو النفس سحابة الأنا المتملّكة الهدّامة! وحيث يعلو صوت الفرديّة والتنازع، على صوت الحقّ الكامن فينا، فإنَّ في الآذان وقرًا، وعلى العين غشاوة، وفي القلب قلوب متفتّقة صغيرة، تنبش قبور الذات المهترئة، فنحمل صلبان القيود العسيرة، ونحن في زمن الصوم، إلَّا أنَّ الأجساد المشظّاة بالرغبات المستحيلة تمتنع عن الصلاة المباركة في هيكل الروح، وقد أقفلت عليه بقفل صدئ، لنسير به درب جلجلة تسعى في ما تسعى إليه ليكون آيلًا لاختراق "النور"من جديد، ولكي نعيد الأمور إلى الموازين، ونكيل بكيل الأمانة، وانسحاق الأنا الظاهر الذي أجّج غضبًا فُتح علينا من غابر القرون والدهور؛ فبعضنا لم يتعلّم، وآخرون رضخوا للاستسلام لقيود المادّة، فيما لا يزال العارفون المؤمنون عند حافة الجسر المبارك يحملون "القنديل العتيق" بيد الانصهار الكلّيّ الذي سيعود ليفتح مع ثغر الحياة النورانيّة بابًا للولوج! 

إنَّ هذه الحقيقة التي لطالما زرعها المعلّم الحبيب روحًا ناطقًا في أطياف كتاباته، ورؤاه، واختباراته، تعود اليوم صادحةً أكثر من ذي قبل، ونحن لا زلنا نلملم ذواتنا المشظّاة بفعل أثر ذلك "الاغتيال" الذي نحمل ثقله مهما تباعدت السنين، وليعذرني من يقرأ كلماتي هذه، إذ سأتوجّه بها إلى المعلِّم الحبيب كمال جنبلاط، لأخبره بما صنعت بنا الأيّام بعد هذا الاغتيال/ الجريمة الذي لم تشجبه الأمم والشعوب، بمقدار ما شجبته الطبيعة ومكوّناتها... ومن قال بأنَّ الثأر لموت الصالحين والأولياء والعارفين هو من مهمّة البشر؟! فالثأر الكبير تدّخره الحياة لمن ولدوا... وعاشوا... وماتوا... كبارًا!

معلّمي، حديثي اليوم يأتي من إقامة جبريّة، لم تفرضها حربٌ كونيّة، أو تضارب قوى على مصالح أنانيّة، أو لأجل إسقاط عهد وحكومة، أو لأنَّ الاقتصاد سقط كما الأنعام في مذبح البورصة العالميّة، ولا لأنَّ أساطيل العالم تجمّعت لاكتساح الشعوب الفقيرة وجعلها تحت السيطرة والتبعيّة... إقامتي جبريّة اختياريّة، لا شأن لها بالرأسماليّة، أو التوتاليتاريّة، أو الجمهوريّة، أو الليبراليّة... فكلّها أنظمة أعلنت اليوم هزيمتها، وحملت رايتها البيضاء لتبحر بها كالسفينة، فيا نوحُ، عودٌ أتيتَ، فها اليوم الأرض تُسلَّم "للكورونا" المجتاحةِ... هديّة!

نعم يا معلّمي الحبيب، أنا بإقامة جبريّة بسبب ضيف ثقيل اسمه "الكورونا"، طبيعته؟! لا، ليس جيشًا هو، بل هو فيروس صغير خرج من عتمة مختبر إلى الحرّيّة، وبات يوزّع قبلاته حتّى ناءت تحت "سلامه" الملغوم كلّ البشريّة! صبغته؟ ديقراطيّ الهوى هو، فلا ميزة لديه بين عالم الصفّ الأول، وشعوب العالم الثالث، ولا بين غنيّ محصّن بأمواله المكدّسة، وفقير يجرّ حبال الأرض فوق كتفيه، بل لقد ساوى الجميع بما لديه، يوزّعه بالمجّان، حتّى بات عطاؤه لعنة!

اليوم يا معلّمي، لا حديث في العالم سوى الكورونا، وعوارضه، ومواجهته، وخطره المميت، وانتشاره السريع الذي بدأ بالصين، ولم يتوقّف عندها؛ فاجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه، زارعًا الرعب في القلوب، والهلع في البيوت، والريبة في ما تقابل من البشر، ومن يتقاطع معك الطريق، ولو عن غير قصد! أمَّا المصافحة والعناق والتقبيل، فجرائم دوليّة، يحاكم عليها قانون الجزاء المستحدث لدى إنسان العصر الحديث، في لعبة الوجود... والخلود!

في إقامة جبريّة هو العالم اليوم، فكأنَّ يد الخلق قد أشارت إلى كلّ الحركة، والصخب، والضوضاء، بأن قفي! فتوقّفت! اللهمَّ، إلّا تلك الشجرة الخضراء الجميلة في ساحة المدينة، وقد رُفع نقاب "العجقة" من مارّة وسيّارات وتلوّث عن وجهها، وتلك الفراشات والعصافير التي عادت إلى السماء هانئة مطمئنّة، فلا أزيز جناح فولاذيّ يرهبها، أو يلوك جسدها الغضّ الصغير بمحركاتٍ لا تشبع! وذاك البحر الذي أثقلته نفايات ما ينتجه الإنسان ويستهلكه بلا توقّف، ولا لأجل نظرة رحمة، ها هو اليوم يأخذ من الأوجاع استراحة، ومن نتن إنسان الحضارة إجازة! والطبيعة بكلّ ما فيها من كائنات، ترفل تحضيرًا واستعدادًا للربيع، وهي المنشرحةُ بقدومه، ونحن المنزوين في زاويا مقفلة، وقد أطلق علينا سلاح الخوف ألف رصاصة!

وأمام هذا المشهد... وقفتُ مستغلّةً الحجر المنزليّ، وعدتُ إليكَ، وما غادرتك يومًا! وكنتُ في كنف فكرك وكنزك الثمين المخطوط، أكثر من فراشة، وأكبر من سماء... لقد كنتُ حرّيّة! وعنَّ برأسي كلام "مولانا" جلال الدين الروميّ، حينما يخاطب المعشوق الحقّ قائلًا: "ليت صوتك قابلٌ للعناق!"، ووجدتني أردّد بفرح العاشق والمشتاق: "ليت فكرك الوقّاد قابلٌ للعناق"! 

آهٍ معلّمي! هل كنت تعلم؟ ولماذا أعجب؟! وقد قيل: "من عرف نفسه فقد عرف ربّه"، و"إنَّ كلَّ رفعةٍ مصدرها البساطة"! وأنتَ معلّمي، قد ذهبت إلى المعرفة الحقيقيّة توقًا وشوقًا، ببساطة الطريق الذي، لكي تدركه، عليكَ أن تنسى الطريق، أي أن تفنى فيه بلا جزع، فتبلغه بلا تأخير!

وأعود إلى معرفتك الثمينة، الهامّة، والتي أبيتَ أن تتركها حظوةً فزتَ بها بجهدك وجدّك، ونكرانك للذات، فكان لكَ الفرح الذي تستحقّ، لا، بل آليت على نفسك مشاركتنا بها، محبةً منك لنا، انطلاقًا من إيمانك بأنَّك والآخر واحد، وتفعيلًا للخير القاطن في هذه الروح، وهي من صنع خالقها، فكنتَ كالماء الذي يعمل لأجل جميع الكائنات ولا يطلب أيّ شهرة، بل يروي الأرض لتزهر وردًا وقمحًا وياسمين... فيا ليتَ سمعنا، واهتدينا، وطبّقنا قانون الحياة كما لمحبّي الحياة وصفته، وكما للمريدين للتطوّر الخلّاق وصفته، وكما للمنتظرين مع شمسك الوهّاجة قد وعدته...

ولكي لا تأخذني المشاعر بعيدًا عن قصدي من هذه المقالة/ الرسالة التي وددت مشاركتها إيّاك اليوم، أعود إلى منبعك الأصيل لأروي ظمأي، وأعاون من العطاشِ من يبغي ورودًا؛ فالنبع الوارف متفجّر أبدًا، وفيه تعاليم الحياة، وأصولها، ومحاذير يجب اجتنابها، لكي يعيش الإنسان حرًّا سعيدًا، متناغمًا مع الطبيعة، معانقًا لها، متوحّدًا بها.

أوَّل المحاذير يا معلّمي، في مواجهة الكورونا، هي في الابتعاد عن السلام المباشر، من مصافحة وعناق وقبلات، ولنرَ ماذا تقول في هذا في قمينك الغالي "أدب الحياة"، الصفحة 26 وما بعدها:

"وما معنى السلام في مفهومه الحقيقيّ وقصده الرئيسيّ؟ إنَّما هو تمنٍّ ورجاء بأن يحلَّ السلام، أي السلام الروحيّ العميق، في الشخص الآخر الذي يتوجّه إليه السلام، ولذا قيل: السلام عليكم، ولكم السلام، وسواها من الألفاظ الجميلة، "وليكن السلام معكم" على حدّ التعبير الإنجيليّ الجميل. (...) فالسلام يتوجّه من الحيّ العاقل إلى الحيّ العاقل، لا من جسد إلى جسد. والسلام صلة الأرواح ووصلتها، وهو دلالة على توحّد الاثنين المنحنيين في هذا الذي يتعدّاهما، والذي هو واحد في كليهما، والذي منه وإليه ينبعث ويعود السلام، ويستحقّ وحده البركة والتبريك".

"وقد يكون السلام فيه من الرجولة وحلاوة التوجّه في آنٍ واحد، ما يضفي عليه صفة من القوّة، وضربًا من الاعتزاز، فيوحي بالثقة بالنفس، وبالصراحة، وبالثقة بالآخرين، وهو أفضل السلام، على ما تعوّدته في ذلك الشعوب ذات التقاليد العريقة، (...) فكان سلامهم عن بعيد بدون أن يضع الرجل يده في يد الآخر، ودون مصافحة أو معانقة. (...) فلنعد إلى هذه العادات الجميلة القديمة في السلام، فهي من نتاج اختبارات الأجيال ولم يبتدعوها عبثًا، وليكن سلامنا من بعيد، ولتكن فيه علامات المروءة والرجولة والتواضع وحلاوة اللفظ وأدب التطلّع والتوجّه في آنٍ واحد، فذاك هو الأفضل".

وماذا عن النظافة يا معلّمي؟ وهي أهمَّ عوامل الوقاية من الوباء اليوم: الصفحة 30

"غسل اليدين غسلًا جيّدًا بالماء الطاهر، (...) فالنظافة الخارجيّة تعطي صاحبها شعورًا بالنظافة الداخليّة؛ حيث إنَّ الإنسان لا ينفصل داخله عن خارجه، ولا ظاهره عن باطنه، فهو كلٌّ لا يتجزّأ". 

وتقول في أدب دخول المنزل، الصفحة 14

"ومن أدب الدخول أن ننظر إلى نظافة حذائنا من الغبار أو الأوحال، أو سواها من الأرجاس قبل أن ندخل (...) ومن العادات العربيّة واللبنانيّة المأثورة التي كانت لا تزال قائمة في عهد الناصريّ والرسول محمّد (صلعم) على السواء، أنَّ ما من أحد يدخل الدار إلَّا ويخلع حذاءه خارجًا، أو في مكان معيّن بالقرب من الباب، أو يؤتى

له "بلكن" من الماء، إن كان صافيًا، فيغسل فيه قدميه".

وما قولك أيّها المعلّم الغائب الحاضر في تأثير الداخل على صحّة الإنسان؟ ويطالعني الجواب في الصفحة 47: 

"ومعاملة الجسم تبدأ بمعاملة الروح، وبتطهير الفكر، وبإشاعة نواميس العقل في كلّ ما نفكّر ونسعى إليه. فالإنسان من هذا القبيل كلٌّ لا يتجزأ. (...) وأحد أسس هذه المعاملة الأساسيّة التي تنفح الجسم الصحّة والسلامة من الأمراض، هي التعقّل في ما نفعله ونفكّر به ونشعره، وهي في جوهرها في المحافظة على هذا التناغم بين العقل والقلب: هذا التناغم الدائم، وهذا الانسجام الداخليّ، وهذه الديمومة في الشعور بحيويّة متّصلة لا ينقطع فيضها؛ لأنَّها لا تُهدَر جزافًا ولا تُصرَف فتاتًا. (...) وإذ

ذاك تشعّ منه [من هذا الإنسان] وحوله هالة الرضى والقبول ورضوان التسليم، فينسجم جسده مع نفسه لأنَّه يكون قد انسجم مع قدره". 

قرأتُ كلَّ هذا، ولا يزال هناك المزيد المزيد، في كلّ فكرة، وعند كلّ ضعف، وفي تقاطع كلّ مسار غامض مهيب... وفي قمّة انشغال العالم بمرض الكورونا وشدّة سطوته وبطشه بالبشريّة، ألفيتُ ذاتي في حضور هذا السلام المهيب الذي سطّرته تقاسيم وجه المعلّم الحبيب، وغابت في لحظة وجود الحقيقة المتكاملة سنوات الغياب... إذ كيف لهذا البصر المتبصّر أن يغيب، أو أن يُغيَّب؟! فالحقيقة تُكتب هاهنا عند هذا الذي حفظ اعتزاز الموت، فانتصرت له، وبه الحياة!

لقد أوسعتَ لنا الطريق، وذهبتَ بنا حبًّا فوق الزمان والمكان لنصل ألق الحقيقة بتجرّد الوصول والتنفيذ، وتركت لنا خارطة درب، ولم يكن علينا سوى المسير، فأين ذهبت أقدامنا؟ وكيف تاهت أرواحنا والشمس قائمة، والقافلة لا تتوقّف عن المسير؟! 

فلله يا إخوتي في هذه الإنسانيّة المتألّمة المتوجّعة، عودوا إلى ما كتبته السرائر النقيّة، وما استشفّته العيون المكتحلة بنور الحقّ واليقين، وانظروا لوهلةٍ إلى فضاء الذات الفسيح، والذي تصغر أمامه كلّ سماء، تجدون الإجابات التي لطالما ظننتم بأنّها مستحيلة! أوَليسَ الإمام عليّ بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه، من قال:
"دواؤك منك وما تشعرُ        وداؤكَ فيكَ وما تبصرُ
وتزعمُ أنَّك جرمٌ صغيرٌ        وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ"؟!

إنَّ الأجوبة مكتنهة بطارحها، فلا السؤال مغيّب، ولا الجواب معضلة لا تحلّ. قد يفهم بعضنا رسالتي هذه غيابًا عن الواقع، ومتاهة في فقاعة من المثاليّة لا تُصرف اليوم في بنك الحياة الصعبة التي تجتاح العالم، والتي لا يمكنها أن تداوي، أو أن تحمي من الخطر الداهم، ومن الوباء المنتشر، نعم، قد يكون هذا صحيحًا، ولكن، أقول كذلك إنَّ في ابتعاد المرء عن جوهره أثمانًا مترتّبة ستُدفع، والطبيعة ما تعوّدت الغفران إلَّا لمستحقّيه، من العائدين إلى مهاجع السلام والمحبّة، الزارعين للخير والوئام، الباحثين في قرارة الأعماق عن سبل التواصل والتلاقي، لا عن بثّ الأحقاد والعنصريّة والتنائي، المتنكّرين للأنانية الهادمة، العاملين بكلّ قوّة من أجل انتصار الإنسان الحقّ فينا، بكلّ تجرّد، وقناعة، شفافية. الطبيعة اليوم تصرخ بنا: كفى! أفلا نسمع النداء؟! "نحن قادمون على زمن الحديد" قالها يومًا المعلّم، وكلّنا نعلم بأنَّ الحديد لا يلتوي، ولا يستوي إلَّا بالنار! ونار الحياة قد أوقدت أتونها، فالحذر الحذر من إنكار الحقيقة، لأنّها وحدها ستفوز في النهاية... هكذا تردّد صوت الكلمة منذ بدء الكلمة مع صوت المعلّم المزروع على مدى سنوات العمر... ولا يزال!

ولأنهي رسالتي من مقرّي المشغول بالأفكار الجميلة التي حملتها إليَّ روح المعلِّم في ذكرى استشهاده، وحسبي أنَّها دواء لكلّ داء، أترككم في رحاب ما قاله عن المرض وأسبابه، وسماته، سائلة الصحّة والسلامة- في زمن الكورونا- للجميع:

"وفي نهاية النهايات وحقيقة الاطّلاعات، إنّما هذه الدنيا ومشاغلها كخيوط وهنة لبيوت من العنكبوت، نتوهّمها ونجسّمها، فيتولّد لنا من جرّاء ذلك الاضطراب والغمّ والهمّ. والمرض فرصة للمريض، ونكاد نقول نعمة تأتيه من نفحات الغيب، لكي يعود فينعم من جديد بوحدة ذاته، ويخلو إلى تأمّلاته، ويتتبّع، من خلال ما بعثرته الشواغل من تناقضات شواعره وأفكاره، الانسجام الحقيقيّ الذي هو موسيقى النفس، والذي ينشقّ من سماء الروح، فيهبط ويتغلغل في جميع خلايا الإنسان، وفي جيوب ذرّات دماغه وأعصابه". 

"وإنَّما مصدر المرض في اضطراب فكرنا، أو تناقض يحدث في باطن عقلنا، أو فساد يدخل من نوافذ الحسّ إلينا، أو كما كان يقول الروح العظيم المهاتما غاندي: ما من مرض إلَّا وسببه فكرة أو عاطفة تسيء إلى هذه الموسيقى الكونيّة، وإلى هذا الانسجام، أي بالتالي... إلى روح الإبداع". 

فإلى روحك المنسلّ من جميل الإبداع، معلّمي... سلامٌ، سلامٌ، سلام! 

*أستاذ جامعيّة وباحثة