السادس عشر من آذار

لم تُلقَ وردةٌ على ضريحك، ولم نقف خاشعين أمام الاستشهاد. تلاميذكَ، ومريدوك، ومحبّوك، ورفاق الدرب، الذين يعيشون في وعيهم ولا- وعيهم، "إنّ الحياة انتصارٌ للأقوياء في نفوسهم لا للضعفاء".

أيها المعلم،
في ظلامية ما نعانيه، وطناً وأمة، كم نحن بحاجة إلى ذاك المحيّا الشريف الذي قلّما مَنَّ الله به على عبدٍ من عبادِه خَلقاً وخُلُقاً ويتكاملان إيماناً، وعِلماً، وقِيَماً، وفكراً يتدفق. وكأن الرسالة الإنسانية في مسيرة التقصّي عما يشارك في كوكبةِ رجالاتِها تتألقُ في ذاتكَ الشريفة، تهبكَ ذاك الصفاء، والنباهةَ، والأصالةَ، في بيتٍ وعائلةٍ قَدَرُها الريادة بكل ما تحمله من معاناةٍ، وتاريخٍ، ومسؤوليةٍ، وجماعةٍ لها فيكَ، ولَكَ فيها، من الأسرار ما لا يُدركه إلّا العاملون العارفون، والمخلصون.

لماذا الاغتيال؟

يحضرني الحسين بن منصور الحلّاج، قبيل استشهاده في ركعةِ تجلّي الحق أمام ذاته، وصلاته الأخيرة، "إلهي، هؤلاء عِبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك فاغفر لهم، لأنك لو أعطيتهم ما أعطيتني لما فعلوا بي ذلك. ولو أعطيتني ما أعطيتَهم لما وصلتُ إلى هذه النعمة. فالحمدُ لكَ فيما تشاء، والحمدُ لك في ما تفعل". ورقَصَ الجهلةُ على دماء الحلّاج، كما كلّ السفلةِ أمام قَدَر الكبار، وعَظَمة استشهادهم.
أيها المعلّم،

نحن اليوم في أسْرَين: الأول سياسي. إن بعض الصعاليك قد اغتالوا حلمك، ومشروعك، وسقطوا. خطفوا الوطن، وها هم مذعورون، في سجن جهالاتهم. والأسْرُ الثاني اختياريٌ ملزمٌ. فيروس كورونا ألزَمَنا بيوتنا، ولعلها فرصةٌ نعود فيها إلى نفوسنا، إلى مرايا الحقائق التي طالما ناديتَ أن تبقى صقيلةً لا تدنّسها المطامع والعبث.

في يوم استشهادكَ يعيش عارفوك، ومن كان لهم شرف إشراقة الحق فيك، والجلوس إليك، والتمتّع بأنسِ ابتسامةٍ تبقى في الوجدان، كما الزمن. وتمرّ السنوات، وأنتَ فينا. وآخر دعاءٍ في هذه العجالة، أن يقرأ القابعون في بيوتهم كتُبك، ورسائلك، وتأمّلاتك، ومناجاتِك، وشِعْرُكَ، ولن أذكر سياستك، لأن السياسة إذا حلّت في هذا السمو الأخلاقي، والعقائدي، والإنساني، والفكري الذي جسّدْته، تتحول إلى ما نراه.

سلامٌ عليك في السادس من كانون طفلاً. وسلامٌ عليك في السادس عشر من آذار رمزاً وتاريخاً. وصلاةٌ كنتَ تردّدها مع الخاصةِ من مريديك. الصلاة الحقيقية هي صلةُ الأزلِ بالأزل، والروحُ بالروح، والجوهر بالجوهر.

"لقد تدفقت على قلبي بحورُ السموات والأرض، وفي ليلةٍ واحدةٍ عشتُ حياةَ ألف ربيع"

لقد تحقّق لكَ كل هذا ومضيت. وتستمر الرسالة، وقد أكملها وليدك.
وستبقى فينا وتنتصر.