شقائق النعمان

د. قصي الحسين |

دروبٌ من شقائق النعمان، تسيلُ في السادس عشر من آذار في كل عام. 

جلولٌ من شقائق النعمان، تتفيأ جدران قصر المختارة. 

يأخذ الأحمر القاني من عروق الجبل، رائحة الشموخ والعزة والكرامة، والبطولة، والشهادة. 

يأخذ معنى الوفاء، ومعنى العطاء، ومعنى الموت، ومعنى الحياة.

تقول حبةُ ترابٍ لحبة تراب: إن كنوز الجبل، مثل ينابيعه، لا تشح.

وإن ورود الجبل من تاج المعلم، أكاليلَ أعراس، لأعراسٍ وأعراس.

الجبلُ، منذ ذاق طعم الشهادة، لم يعد يعرف الحزن. صار نجداً من فرح.

 ترى الصبايا والشباب، منذ السادس عشر من آذار العام1977، لا يشيخون، ولا يشحّون، ولا يغفلون، ولا ينامون. 

كأنهم مع المعلم. يسلّم عليهم الرضوان، ويرشّ عليهم دموع الفرح وعطره من الجنّات، ويعودون إلى دار المختارة. يكتبون على راحاتهم، بالقلم والمعول، والبندقية الوطنية اللبنانية، وبحروف الكوفيةِ الفلسطينية، ثورة "منتصرون".

لا شيء يُتعِب المختارة، إلّا الرقاد. عيون الدار لا تنام. تعدُّ ثواني الدهور، ولا تنثني أمام العواصف. ولا تنثني أمام جائحات المتلاعبين بالناس.

 تردّ على الضغائن والأحقاد برائحة الثوب الذي أنبت فيه الزمن، عقداً بعد عقد، طرراً من شقائق النعمان.

تحت جدار القصر، حجر الكيمياء، يحرسه وليّ البيت العريق. يتلمس منه حكمة يومية، أو موقفاً وطنياً، أو رايةً نديةً، أو ندى من تراب.
 لا يخشى الجبل على لبنان. كل شيءٍ في أوان: مرة بالتراجع، ومرة بالإقدام، إلى الأمام.

 كل رياح العصر، تنسج حروف الكوفية الفلسطينية، أخيراً كما ينبغي. فلا تزال شقائق النعمان، تخرج من البدن الشاسع، ترشد التائهين، في الدروب إلى فلسطين.

 فرحٌ على فرح، حجارةُ الدار تغني. 

والطائر الميمون، يأخذ قطرة ورد، من جرح الجبل، ويطيرُ إلى الأقصى والصخرة، والبيت، يغمسها هناك لا هنا، ويقول: أغيثوني أغيثوني.

شقائق النعمان في جدار الدار، "إضاءةُ العصر". تنادي الكون كل الكون: إلى فلسطين خذوني.

وأرزُ الشوف عطّر أهله، فساروا في الدروب، "إلى قبرٍ ثوى، بين "اللوى" والدكادك"، وصاح في الأعصر كلها: ذروني. إن الشجى يبعث الشجى، فهذا كله قبر مالك. 

في السادس عشر من آذار، ينهض لبنان، مثل اليعازر، أو مثل جبل الشيخ، أو حرمون. 
على رأسه غيمُ الذرى، وفي يديه، وفضة ولواء.

 يقف أمام قصر المختارة:
 وينادي بأعلى الصوت

على الحمى المؤجّرة، والسيادة المستعارة.


(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية