"صفقة القرن" خلاصات أوَّلية في صراع مفتوح

هشام دبسي |

الصدام غير المسبوق بين الإدارة الأميركية الحالية و القيادة الفلسطينية، حول المُعلن مما سُمِّي "صفقة القرن"، أنتج تعقيداً مضافاً على تعقيدات الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، مع فائض إرباك في المشهد السياسي العربي.

حتى الآن كشف البيت الأبيض عن ثلاث خطوات أساسية: إلغاء التفاوض حول القدس، إطلاق الدعوة لتوطين اللاجئين، البحث عن حلٍّ نهائي للمسألة الفلسطينية بعيداً عن خيار الدولتين.

رأى الجانب الفلسطيني في تلك الخطوات إسقاطاً لتطلُّعاته الوطنية، و نسفاً لموضوع المفاوضات، لا سيما بعد أن باشرت واشنطن تنفيذَ سياستها هذه و فَرْضَها من جانب واحد(نقل السفارة إلى القدس، قطع المساعدات عن وكالة الأونروا وإغلاق ممثّلية منظمة التحرير في واشنطن).. ذلك كله بعد أن كانت الإدارة الأميركية خلال السنوات الأخيرة قد انسحبت من دور الشريك في المفاوضات، وحتى من دور الوسيط، تاركةً الفلسطيني و الإسرائيلي وجهاً لوجه، وفيما كانت البلدان العربية غارقةً في تداعيات "الربيع العربي"، ويحاول كلُّ بلدٍ"اقتلاع شَوْكِه بيده"!

هكذا عُدنا إلى مربَّع ما قبل أوسلو، بعد ربع قرن من السعي إلى تسويةٍ تلبي الحدَّ الأدنى من المصلحة الوطنية الفلسطينية. لذا أطلق هذا التحدّي أسئلةً مصيريةً لدى المواطن العادي كما لدى النُّخب حول المستقبل الفلسطيني: إلى أين نسير؟ وهل نستطيع المواجهة؟ وكيف لنا أن نصمد ونحن نسجّل الفشل تلو الآخر في إنجاز المصالحة الداخلية، ونشهد على تداعي مقوّمات الحياة الأساسية للناس، وعجزٍ مقيم في النظام السياسي الفلسطيني عن معالجة قضاياه الكبرى، مع هبوط مستوى الحياة الديمقراطية التي توفّرت في زمنٍ سابق؟... هذا فيما تحاصرنا انفجارات الشرق الأوسط الكبير،  وفيما تتصاعد حُمَّى الهيمنة الأميركية على العالم، من دون تمييز أحياناً بين الخصوم والحلفاء، فضلاً عن صعود نزعة الاستعلاء الديني والقومي في اسرائيل!

كانت القيادة الفلسطينية تدرك جيداً تلك المعطيات، عندما أعلنت معارضتها ما سُمِّي "صفقة القرن" جملةً وتفصيلاً.. وهي معارضةٌ وصلت إلى حدِّ القطيعة السياسية مع إدارة ترامب، والإعلان أنه لا عودة عنها ما لم يتمّ التراجع عن الإجراءات المفروضة من الجانب الأميركي. بعضُ المراقبين رأى أنَّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس "صعد إلى أعلى الشجرة، ولن يجد مَنْ يساعده على النزول!" 

صحيحٌ أنَّ الرئيس عباس صعد إلى أعلى الشجرة مقابل تجاوز كل الخطوط الحمر من الجانبين الأميركي و الإسرائيلي - تقول قيادة منظمة التحرير-  ولكنه ذهب أيضاً إلى أقصى ما يستطيع إنجازه في الحقلين السياسي و الدبلوماسي رداًّ على التحدّي، كما أنه لم يعد مضطراً للنزول عن الشجرة، طالما لا يوجد ما يفعله على أرض المفاوضات - إذْ لا أرضَ للمفاوضات – وفيما حالة الاشتباك الشعبي الميداني مع جيش الاحتلال تتصاعد في كل مكان!

تُرى من أين يستمدّ الموقف الفلسطيني القدرة على المعاندة والتحدّي؟.. وهذا رغم أن الكثيرين، وربما الأكثرين، يرون في المشهد العام الفلسطيني - الإسرائيلي و الإقليمي – الدولي ما يدعو للقُنوط!

الواقع أنَّ الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بسيطة، و لكنها غير مبسَّطة، كما أنها ليست ملك جماعة سياسية بعينها أو أفراد، وتحتاج لمقاربات متنوعة تنظر في الشروط الذاتية ولموضوعية للصراع، وفي طبيعة التناقضات التي يمكن حلُّها و تلك المستعصية على الحل، كما تنظر خصوصاً في طبيعة ميزان القوى الفلسطيني – الإسرائيلي على كافة المستويات... إنها مهمة العقل الجمعي الفلسطيني، والجهد الجمعي الفلسطيني، بعد أن امتدَّ الصراع على مدى قرن و نيف من الزمن، و أصبح من أولويات الأجندة الدولية، باعتراف كبار الناطقين باسمها، وعلى رأسهم الأمم المتحدة.

بدايةً، ومع تقديرنا الكبير لشجاعة القيادة الفلسطينية في قبولها التحدّي، لا بدَّ من القول أن المصدر الأوَّل والأهمَّ لقوة الموقف الفلسطيني الراهن هو حيوية المجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات، واستجاباته التاريخية، كماً ونوعاً، للتحديات، في لحظات الاستعصاء الشديدة، بما يُحْدِث الفَرْق، كلَّ الفرق:
فرغم تشتّت الشعب الفلسطيني (بين أراضي ال 48، و الضفَّة ، وقطاع غزة، و تجمعات اللجوء في مختلف البلدان لا سيما في الأردن وسوريا و لبنان)، وخضوعه لقوانين ونُظم وسُبل تطوّر متباينة، ثمة حاصلٌ إيجابي أظهرته التجربة منذ عام النكبة حتى الآن، يتمثَّل في تعلُّق الشعب الفلسطيني بحقوقه الانسانية والسياسية، وفي قدرته على التضامن تحت أقسى الظروف، كما في قدرته على تطوير أشكال نضاله السياسي، بما في ذلك الانتفاضات الشعبية السلمية، من دون إغفال الصراع المسلَّح.

و في هذا السياق يمكن التأمُّل في بعض العلامات التاريخية الفارقة، والدَّالة على استعداد هذا الشعب لتحمُّل الأكلاف الباهظة دفاعاً عن وجوده المادي والمعنوي. من ذلك أنه لم يكن يعدُّ في بداية القرن العشرين أكثر من نصف مليون نسمة، ثم قدَّم في صراعه مع المشروع الصهيوني أكثر من 615 ألف ضحيَّة ومئات آلاف الجرحى  وملايين المعتقلين على مدى نحو قرن بحسب تقديرات المؤسسات المختصَّة هذا العام. وفي شاهد آخر يمكن التوقُّف أمام لجنة "جيفني" التي شكلتها رئيسة الوزراء غولدا مائير عام 1973، وكانت مهمتها التخطيط لمنع ارتفاع نسبة الفلسطينين في مدينة القدس أكثر من 22%. أما اليوم فيحاول نتنياهو بكل الوسائل خفض نسبة المقدسيين البالغة 41% في المدينةّ!.. وهذا العام أعلنت دوائر الإحصاء الإسرائيلي و الفلسطيني عن تعادل ديمغرافي بين عدد الفلسطينيين وعدد اليهود على أرض فلسطين!...

غولدا مائير التي صرَّحت ذات يوم أنها " تشعر بالاكتئاب كلما رأت امرأةً فلسطينية تَلدُ طفلاً"، أتى بعدها نتنياهو ليمنع اليوم زواج فتاة من بيت لحم وشاب من الناصرة، "لأنَّ في ذلك تطبيقاً غير مباشر لحق العودة"!!...

وفيما كان نتنياهو يعلن القدسَ "مدينةً موحَّدة وعاصمة أبدية لدولة اسرائيل " ذاهباً في اتِّجاه "الدولة اليهودية" وتصفية الوجود الفلسطيني في أراضي الـ 48، أتاه الردّ هذه المرَّة من داخل الأراضي، ومن القدس تحديداً، بصورة هبَّةٍ شعبيةٍ عارمةٍ، شارك فيها المسلمون والمسيحيون، دفاعاً عن المسجد الأقصى واستنكاراً لجريمة " بيع أراضي الوقف الأرثوذكسي"، كما كان لتلك الهبَّة أصداؤها القوية في كلٍ من الضفَّة وغزة والأردن، فضلاً عن مدن وبلدات ال48!!.. لقد شكَّلت انتفاضة الأقصى السلمية هذه السنة مفاجأة لتوقّعات العقل الإسرائيلي، وربما لتوقّعات الكثيرين من العرب.
قُصارى القول أن حيوية المجتمع الفلسطيني، رغم تقسيمه جغرافياً، قوةٌ لا يمكن القبض عليها أو تحطيمها، فضلاً عن استحالة إيقافها أو التحكُّم بها.. وهذا هو مصدر قوة الموقف الفلسطيني الأخير الذي عبَّر عنه الرئيس محمود عباس، معزّزاً بحاصل نضالٍ تاريخي فرضَ حضور الهوية الفلسطينية على إسرائيل أولاً، وفي كافة المحافل الدولية والإقليمية، ومعزّزاً بواقع أكثر عناداً هو استحالةُ تراجع القضية الفلسطينية إلى مربَّعِ النسيان.. وعليه يبدو ما سُمِّي "صفقة القرن" أضغاث أحلامٍ في مخيِّلةٍ مريضة.

رغم سطوة الإدارة الأميركية في عالمنا، إلا انَّ الموقف الفلسطيني لعب دور الرافعة السياسية لمؤتمر القمة العربية المنعقد في الظهران في آذار/مارس الماضي، وليس صدفةً أنْ سُمِّيت هذه القمة باسم القدس. ذلك أن مشروع السلام الفلسطيني هو جوهر "مبادرة السلام العربية" التي تعبِّر عن نظام المصلحة العربية المشتركة، كما تشكل في الوقت نفسه توافقاً بين منظومات عمل إقليمية ودولية، من بينها منظمة التعاون الإسلامي و مجموعة السبعة  وسبعين. وهذه الأخيرة فوّضت دولة فلسطين مهمة تمثيلها في الجمعية العامة الأخيرة للأمم المتحدة. ولا بدَّ من الإشارة إلى الموقف القويّ للعاهل الأردني من مسألة التوطين والكونفدرالية، وكذا الإشارة إلى الموقف اللبناني الرسمي في هذا الصدد.. 

علاوةً على ما قدَّمنا في الإجابة عن سؤال "من أين يستمدّ الموقف السياسي الفلسطيني قوته" (أي من حيوية الشعب الفلسطيني أولاً و مراكماته النضالية، ومن التكافل العربي والإسلامي مع القضية الفلسطينية رغم الشوائب والاضطرارات المعلومة في هذا التكافل)، هناك حقيقةُ أخرى تتمثَّل في أن صراعات المنطقة منذ سبع سنوات ليست سائرةً نحو نهائيات حتميَّة، كما يظنُّ البعض أو يروّجون، بل هي في حالة مخاض وتغيُّر مستمرّين، كما تّبيّن المعاينة الدقيقة لجدليَّة الاصطفافات القائمة و تناقضاتها البَيْنيَّة على المستويين الإقليمي والدولي. ومن هنا أهمية الثَّبات الفلسطيني على إنجازات أو حواصل باتت غير قابلة للانعكاس. وفي رأينا أن العقل الاسرائيلي الراهن هو الذي يحتاج إلى مَنْ يُنزله مِنْ أعلى الشجرة!

تقول امرأةٌ فلسطينيةٌ شاركت في التظاهرات السلمية الأخيرة ضد الجيش الإسرائيلي : " لقد أصبحنا محصَّنين ومخدّرين في وجه البنادق المصوَّبة نحونا باستمرار!". 

ويعلّق كاتبٌ إسرائيلي، مشبِّهاً حالة الاشتباك الدائم بين الفلسطيني والإسرائيلي بـ "الزواج القسري بين الرجل الشرس والمرأة المعاندة .. هكذا ينال كل طرف نصيبه من العيش النكد، إلى أن يحصل الطلاق الديموقراطي!".

ونقول مع الفلسطينيّ القائل: إنَّ دمنا المسفوح جعل ثِقْلَ جثثنا يبدّدُ انتصارهم، فلا نُهزم ولا ينتصرون!.. لكنَّهم في رأس الهرم الإسرائيلي ينسون ما جاء في سِفْر اللَّاويين: "... وتُنادون بالعِتْق في الأرض لجميع سكَّانها"!


*مسؤول الإعلام المركزي لحركة فتح في لبنان سابقاً