البلّور المكسور

ألحان الجردي |

يقول المعلّم كمال جنبلاط في كتاب “السلام”، “النَفس تُماثِل بلّوراً تنعكس حوله الأشياء… فاللون لا يدخل في تكوين البلّور… والجاهل يخلط كيانه الذاتي مع اللون الذي يلوّنه… أما الحكيم متحرّر بالمعرفة.. فهو يعرف أنه ليس إلا بلّوراً..”

إذا سمحنا لأنفسنا بمقاربة هذا الكلام الوجدانيّ الراقي مع حالتنا الإنسانية التي نحياها اليوم، لَشَعَرَ معظمنا بالفجوة العميقة بين فلسفتنا العصرية وبين هذا النوع من الرؤية.

هذه الهوّة السحيقة تكوّنت بفعل عوامل حضارية سَعَت إليها البشرية الطامحة دوماً إلى التغيير والتجديد، فجاهدَت هذه النفس على مرّ الأزمنة إلى الانعتاق من أيّة فلسفة تمّ إرساء أصولها في الماضي، وإلى إرساء قواعد فلسفية جديدة، لتضعَ بصمتها التاريخية على جدران الزمن.

وكان دوماً هذا الانعتاق وليد الصراع بكافة أشكاله وأبعاده، فما من واقع تمّ تغييره إلا من خلال الرفض والتمرّد وبذل الجهود للتطوّر.

وليس الهدف من هذا الحديث مناقشة ماهيّة التغييرات وإقامة المقارنات وتحديد الإيجابيات والسلبيات، بل تكمن الفكرة في تحليل أثر الصراعات الحضارية المختلفة على نقاء وصلابة هذا البلّور المكوِّن لذواتنا.

عندما نحصر التحليل بأبعاد “الذات” اللبنانية كمجتمع ذي كيان خاص، تنضج إمكانية المناقشة، هذه “الذات” اليوم، المُنعتقة من سلاسل التقاليد العربية – الشرقية القديمة وغير المنفصلة عنها كلّياً، عاشت على مرّ فترات زمنيّة – حضارية طويلة مراحل متناقضة إنما متواصلة من الحالات الوجدانية المَنبجِسة من أوضاع مكانية- زمانية- ثقافية- اجتماعية، أخذت مكانها الحتميّ في ظلال وقائع تاريخية إنسابت من روافد حالات عالمية متشابكة، فنَهَلَت هذه الذات ما توافر من ثمار الإقطاع والطبقيّة والاستعمارات المتوالية لحضارات غير متشابهة، وعُجِنت بخميرة الطائفية والحزبيّة، وسارَت على أشواك الاقتتالات والحروب الأهلية، وتسلّقت جبال المصالح والحاجات هرباً من الغرق بوديان الذُلّ والاستعباد، فناضلت للوصول إلى القمم بأقدام حافية بعد أن سقَط أمانها بين أشواك الحروب، وفي نهاية المطاف حطّت هذه الذات رِحالها حيث توهّمت أنها ستجِد السلام، هذا السلام الذي ضاع واستُنزِف خلال مسيرة الطريق.

قد يبدو هذا الكلام مضيعة للفِكر، ولكن زبدة المطروح جدّ بسيطة، فهذة الذات الإنسانية الوجدانية المكوّنة من بلّورٍ شفّاف عاكِسٍ لِما يدور حوله من ألوان وأحداث، قد تلوّن بالفِعل بألوان خارجية دَخَلَتهُ نتيجة الخدوش والكسور التي أصابته على مرّ طريقٍ غير يَسير، ولمّا أُصيبت البلورة بالكسور والشقوق وَلَجَ كلّ ما في الخارج إلى داخلها ليعكّر صفاءها بحيث لم تعد قادرة على أن تكون مرآةً عاكِسة للنور.

تلك الصراعات الحضارية والإجتماعية غيّرت على مرّ الأزمنة بُنية تكوين البلّور، فباتَ مُمتزِجاً بمواد خارجية تماماً كالمياه العَكِرة، فالقلق والمخاوِف والغضب والمطامِع والكُره والحِقد والعنف والإحباط، كلّها نابعة من المياه العَكِرة التي ملأت هذا البلّور المكسور…

فهل من سبيل لإعادة النقاء والشفافية إلى تركيبة البلّورة؟