إلى كمال جنبلاط: وتوالت رصاصات الغدر!!

يبدو أن لبنان الذي تعرفه قد "انتهى" إلى الأبد. انتهى  يوم غادره رجال الدولة "الكبار" على تنوّعهم السياسي والعقائدي. للأسف "لا مئوية ثانية" للبنان الكبير. لا بطريرك حويّك، ولا كاردينال صفير اليوم". من لا يستطيع الارتفاع فوق مستوى "الزواريب" السياسية لن يقدر على حماية الدولة. نعم، "مسكينٌ لبنان عندما يحكمه جَهَلة"... فقدنا الوطنية ففقدنا لبنان. 

حكّام لبنان الذين اعتمدتهم "الوصايات" المتعدّدة، من فوق إلى تحت، كانوا أقزاماً وعبيداً مرتهنين لأسيادهم، وخَدَماً في "بلاط" الأوصياء مقابل "حفنةٍ من الفضّة". معاندة هؤلاء لصوت الشعب اقتبسوها من مدرسة و"غلاظة" النظام السوري، و"تفاهة" حزبه، ومن نظام "الملالي" وليّ الفقيه الإيراني.

حتى رجالات الدولة كانوا أيامك قِلّة، ولذلك كنتَ تقول: "مسكين لبنان، هل يظل يحكمه هؤلاء الناس!"... ولكن ماذا كنتَ لتقول اليوم أمام هرطقةِ السياسيين الساقطين والهابطين؟؟!!..

معظم الذين يحكمون اللبنانيين اليوم هم من الفئة، أو الدرجة، العاشرة وما دون، وأقلّ من "مستشارين". 

هزُلت السياسة، وهزُل السياسيون في لبنان وفي العالم العربي، وربما في العالم كله. وهزُلت معها العقائد والمبادىء. صحيحٌ أن العالم كلّه بات "قريةً كونية" صغيرة، كما استشرفها كمال جنبلاط عام 1967، في كتابه "ثورة في عالم الإنسان" عندما قال: "مجموع ما في العالم كلّه من مادة الذرات، لو تقلّص على بعضه، وضُغِط لكي لا يعود فيه فراغٌ ملموس، يملأ فقط قمع الخيّاط".

عند اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، قال كمال جنبلاط للمبشّرين والحالمين بـ"حلف الأقليات"، أو بـ"الوطن القومي"، لا تلعبوا بالنار. تنازلوا عن بعض "فتات" مائدتكم لشركائكم في الوطن، ولنعمل على وأد الفتنة في مهدها. لكن أحلامهم التقسيمية، والطائفية، والعنصرية، منعتهم من الاستماع إلى أي صوتٍ "عاقل"؛ ومن تجرّأ، أو حاول سماع صوت العقل، اغتيلَ على يد "صاحبَي" مشروع "حلف الأقليات". 
حافظ الأسد قالها لياسر عرفات صراحةً في نيسان 1976: "لا تنسوا أمراً، إنه ليس هناك شعبٌ فلسطيني، وليس هناك كيان فلسطيني، بل سورية. وأنتم جزءٌ لا يتجزأ من الشعب السوري، وفلسطين جزءٌ لا يتجزأ من سورية. إذاً، نحن المسؤولون السوريون، الممثلون الحقيقيون للشعب الفلسطيني". 

ولهذا يعتبر حزب البعث السوري أن، "لبنان هو أحد الأقاليم التابعة لـ"القطر السوري" مثله مثل فلسطين". هكذا كان رأيه بالنسبة إلى لبنان: "شعبان في دولةٍ واحدة". ولهذا كان النظام السوري لا يعترف بلبنان كدولة مستقلة. ولهذا أيضاً كان يرفض إقامة علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا!.. وتحقّقت العلاقات الدبلوماسية في 16 آذار 2008، عقب اغتيالهم الشهيد رفيق الحريري تحت ضغط "انتفاضة الاستقلال".

في النهاية، لن نيأس، ولن نُحبَط. فالمستقبل كفيلٌ بإنهاء ودثر "الأقزام". وثورة الشباب الذين يمثّلون "سن البطولة" في المجتمع كفيلةٌ بإنتاج "نخبة" قادرة على "لفظ طفوليي" العفن السياسي الذين يرفضون أي نضالٍ حقيقي من أجل الوصول إلى الحرية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، وتحقيق الدولة المدنية الكاملة. فكرامة الإنسان تبقى الهدف الأول والأخير.

"البعث" الفارغ من أي فكرٍ ومبدأ، وتتأصّل فيه  الشعارات الشعبوية الفارغة من أي  مضمون، كان  يخشى انتقال "عدوى" الحريات النسبية في لبنان "القديم" إلى الشعب السوري فتقضّ مضاجع نظامه الديكتاتوري المخابراتي. ولذلك كان يجهد إلى نقل عدوى النظام البعثي إلى لبنان. وكان له ما أراد. ولاقاه في لبنان أشباهٌ له من "أقزام" السياسة، ومن "المرتهَنين" الذين خرّبوا، وأفقروا، وجوّعوا، وأفلسوا، لبنان. إنهم فعلاً اغتالوا شعب لبنان. وهكذا تتالت رصاصات الغدر السياسي، والجسدي، والفكري، والأخلاقي، والبيئي، والإنساني. 
مسكينٌ لبنان، وشعب لبنان الذي بات يحكمه اليوم الجَهَلة، والسَفَلة، وأقزام السياسة... 

نعم إننا نعيش في أسوأ "عهدٍ" مرّ في تاريخ لبنان القديم والحديث... عهد الإفلاس السياسي والاقتصادي، وعهد النكبات والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية. "عهد الكورونا"، وعهد سجن الناس الطوعي، وعهد الثورات، وعهد الفقر، والإفقار، والبطالة والجوع. عهد إقفال المدارس والجامعات، وعهد النصرية، والطائفية، وعهد السوق السوداء والظلمة والظلام. 
انه عهد "النحس" عهد رقم 13 المشؤوم.