ماري كلود نجم وزيرة العدل اللبنانية تتحدى السلطة القضائية العليا

14 آذار 2020 12:43:00 - آخر تحديث: 02 أيلول 2020 16:45:00

استبشر اللبنانيون خيراً بتعيين ماري كلود نجم وزيرة للعدل، خاصة وأن أول تصريح علني لها كان عن تصميمها على إبعاد السياسة عن التدخل في العمل القضائي، لكن يبدو أنها بعد أول امتحان جديّ لها أثبتت أنها لم تقرن أقوالها بالأفعال، بعد أن عمدت إلى ردّ التشكيلات القضائية التي أصدرها مجلس القضاء الأعلى بالإجماع وأحالها إليها كما تقتضي الأصول من أجل عرضها على مجلس الوزراء لإصدارها.

إن كان هذا يعني شيئاً فهو يدل على فشل هذه الحكومة على الأقل حتى اليوم في إحداث الصدمة الإيجابية التي كان ينتظرها اللبنانيون الذين نزلوا إلى الشوارع مطالبين برحيل السلطة السياسية الفاسدة والمسؤولة من وجهة نظرهم عن سوء الأوضاع التي وصلت إليها البلاد، ويعني في ما يعني أيضاً دق مسمار إضافي في نعش هذه الحكومة التي لن يمضي وقت طويل قبل نعيها وبدء مراسم دفنها.

قضاة حسب الطائفة
هي المواجهة الأولى لأوّل وزيرة عدل في تاريخ لبنان مع السلطة القضائيّة العليا. نجم التي تملك الصيت الحسن، وفيه ما فيه من الحماية لها، تفتقد للدعم السياسي ما دامت غير مصنّفة مع فريقٍ سياسيّ، بينما يتسلح رأس السلطة القاضي سهيل عبود، بالإجماع على نزاهته ومناقبيّته، ولكنّ القضاة المتضرّرين من التشكيلات قد تجمعهم “المصيبة” مع وزيرة العدل.

وفي حين أشارت نجم في كتابها إلى مجلس القضاء الأعلى الذي ردّت فيه التشكيلات القضائية إلى أنها بوجه عام ومبدئي، كانت تتطلع الى “أن يكون مشروع التعيينات والمناقلات مناسبة لكسر الممارسات الخاطئة على مدى السنوات الماضية والتي قضت بتكريس المواقع القضائية، على كافة أنواعها ودرجاتها ، للطوائف والمذاهب، ما حوّلها إلى مراكز نفوذ ومحاصصة في مختلف المناطق اللبنانية، ومنع كثيرا من الأحيان وصول القاضي المناسب إلى الموقع المناسب، بغض النظر عن انتمائه الطائفي أو المذهبي.

وكان من الممكن المحافظة على التوازن الطائفي من دون الاستمرار في هذه الممارسة التي تشكل مخالفة للمادة الـ95 من الدستور وتتنافى مع تطلعات الشعب اللبناني بعد انتفاضة الـ17 من أكتوبر الماضي”.

وقد يكون رد نجم للتشكيلات من هذا الباب يحمل بعداً يراعي ما درج على تسميته “السلم الأهلي” إلا أنه في الوقت نفسه يشي بأن “المحافظة على التوازن الطائفي” تبقى معياراً أولاً ووحيدا في بلد كانت الطائفية سبباً في بلائه، ولا سبيل لنهضته وقيامته إلا بإلغاء الطائفية. وهل من وسيلة أفضل إلى ذلك من ولوج باب إلغاء الطائفية في المراكز القضائية؟

لفتت نجم إلى أن المادة الـ13 من قانون القضاء العسكري حددت المرجع الصالح لاقتراح أسماء القضاة في المحكمة العسكرية، وهو يتم بموجب مرسوم مستقل عن مرسوم التشكيلات القضائية وبناء على اقتراح وزيري العدل والدفاع الوطني وموافقة مجلس القضاء الأعلى وليس العكس، علمًا أن اقتراح أسماء قضاة المحكمة العسكرية يجب أن توافق عليه قيادة الجيش ضمنا بحسب العرف.

ومن هذا المنطلق ربما كان على مجلس القضاء استشارة نائبة رئيس مجلس الوزراء وزيرة الدفاع زينة عكر في الأسماء المطروحة لتولّي منصب مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وقاضي التحقيق العسكري الأول وسائر قضاة التحقيق العسكريين، ما يفتح المجال مجدداً لفرض أسماء القضاة وفقاً لتوجهات السياسيين وتحديداً رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، خاصة وأن منصب مفوّض الحكومة الذي كان يشغله القاضي بيتر جرمانوس كان محسوباً على هذا الفريق السياسي دون غيره لكن لأسباب “داخلية” بين رئيس التيار الحر وزير الخارجية السابق جبران باسيل وجرمانوس، دفعت الأخير إلى تقديم استقالته قبل صدور التشكيلات الموعودة والتي نصت على نقله من منصبه.

السياسة إذن فرضت نفسها على نجم ولم تستطع وزيرة العدل مقاومة الضغوط التي مورست عليها لكي تفي بما تعهّدت به وهو إبعاد التدخلات السياسية عن القضاء وترك الأمر لمجلس القضاء الأعلى في تحديد أسماء القضاة ومناصبهم، وظهرت بالتالي أضعف من مدعٍّ عام تجرأت على معارضة التشكيلات علناً، وهدّدت بوضع استقالتها بتصرف رئيس الجمهورية إذا تم نقلها من منصبها في سابقة لم يشهد لها القضاء مثيلاً. نجم من مواليد بيروت في الـ6 من أبريل 1971 وهي أكاديمية تحاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت، ورئيسة قسم القانون الخاص ومديرة مركز الدراسات الحقوقية للعالم العربي، وهي أستاذة زائرة لسنوات عدّة في جامعات باريس، ومحامية بالاستئناف، منتسبة إلى نقابة المحامين في بيروت.

وبالإضافة إلى عملها المهني، ساهمت نجم في مشاريع ومبادرات للمجتمع المدني كما كانت من الأعضاء المؤسّسين لحملة “خلص!” عام 2007 بهدف التوصّل إلى حلّ سلمي وملزم للأزمة السياسية في لبنان آنذاك. كما شاركت مؤخراً في الانتفاضة الشعبية اللاطائفية من أجل تغيير جذري في الممارسة السياسية في لبنان. واستناداً إلى هذه السيرة المهنية فرح اللبنانيون لدى صدور مراسيم تشكيل حكومة الرئيس حسّان دياب وورد فيها اسم نجم وزيرة للعدل، على اعتبار أنها أقرب إلى الطروحات التي تبناها الشارع اللبناني في انتفاضته منذ الـ17 من أكتوبر الماضي، لكن يبدو أن الطبقة السياسية الحاكمة أقوى من طروحات التغيير رغم تبنيها شعار “الاصلاح والتغيير”.

المصادر القضائية تشير إلى أنّ تعديل أسماء محدودة قد يفتح الباب أمام تمدّدِ المطالبات، ما من شأنهِ أن يوسِّعَ بيكار التعديل ويؤدي إلى ارتفاعِ منسوبِ الحساسيّةِ أكثر، مؤكّدة أنّ أيّ تعديلٍ في حال حصولهِ سيكون على قاعدةِ “ستة وستة مكرّر” تجنّبًا للمُضاعفاتِ الطائفية.وقد تكون نجم أصابت إلى حد ما في ردها التشكيلات لعدم مراعاة الأصول في تشكيلات المحكمة العسكرية التي تعتبر محكمة استثنائية تخضع لسلطة وزير الدفاع الوطني وليس لسلطة مجلس القضاء الأعلى، حيث أن المادة الـ13 من قانون القضاء العسكري حددت المرجع الصالح لاقتراح أسماء القضاة في المحكمة العسكرية وهو يتم بموجب مرسوم مستقل عن مرسوم التشكيلات القضائية وبناء على اقتراح وزيري العدل والدفاع الوطني وموافقة مجلس القضاء الأعلى وليس العكس، غير أنها بمجرد إعلانها أنها ستوقع التشكيلات كما تردها دون أن تبحث في الأسماء، أثارت امتعاض العديدين من الذين كانوا يراهنون على التزام وزيرة العدل الجديدة بإبعاد السياسة عن القضاء.

ويبدو استناداً إلى تقارير مراجع مطلعة إلى أن “ملاحظات” وزيرة العدل في ردها التشكيلات إلى مجلس القضاء الأعلى تتركز بشكلٍ أساس حول قضاة محسوبين على التيار الوطني الحر وفي مقدمهم مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، وقاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضي نقولا منصور.

وليس غريباً أن يحضر دوماً اسم وزير العدل السابق ومستشار رئيس الجمهورية سليم جريصاتي الذي واكب ملف التشكيلات القضائيّة وأعلن أنه التقى وزيرة العدل التي أبلغته حرصها على أن تتلاءم التشكيلات مع المعايير التي تمّ الاتفاق عليها مع مجلس القضاء الأعلى، وهي الكفاءة والأقدميّة، وشدّدت على أن “لا محاصصة سياسيّة ولا محاصصة طائفيّة”. وفي حين يشدّد مستشار رئيس الجمهوريّة على أنّ الأخير “لم يطلب شيئاً من وزيرة العدل ولا من أيّ جهة قضائيّة أخرى، ومن يعرف ميشال عون جيّداً يعرف أنّه لا يطلب، لأنّه في هذه الحالة يصبح أسير طلبه”، لكن السؤال المطروح بإلحاح هو “لماذا الامتعاض من تغيير القضاة المحسوبين على العهد من مراكزهم طالما أن المعيار في المناقلات كان واحداً؟”.

فعلتها وزيرة العدل وردّت التشكيلات مع مجموعة ملاحظات عامة مبدئية تتصل بالمنهجية، فهل سيأخذ مجلس القضاء الأعلى بملاحظات نجم فيعيد دراسة التشكيلات القضائية دون أن يكون محكوما بقواعد ثابتة تعتمد المنطق الطائفي في توزيع القضاة من دون النظر في عاملي الكفاءة والضرورات التي تمليها الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد؟

في الخلاصة، يبدو أنّ التشكيلات القضائيّة متعثّرة، حتى إشعارٍ آخر قد يقصر أو يطول. يتوقّف الأمر على “نفس” نجم و”عناد” القاضي عبود من دون أن نغفل دور “وزير الظل” جريصاتي.