عودة الأطماع الإمبراطورية

13 آذار 2020 09:04:00 - آخر تحديث: 13 آذار 2020 09:04:59

لعبت سياسة الرئيس رجب طيب أردوغان دوراً رئيسياً في تحويل الملفات الداخلية في المغرب العربي إلى صراع دولي ساخن.

يبدو الحراك السياسي والعسكري الدولي في المنطقة العربية مشابهاً لبعض ما حصل في منتصف القرن التاسع عشر. فهناك اندفاعة امبراطورية تُشارك فيها دول كبيرة تهدف إلى بسط نفوذ هذه الدول على حساب الحقوق العربية المشروعة. وتحاول قوى إقليمية الاستفادة من تراجع الدول الأوروبية، ومن بعض الانكفاء البراجماتي الأمريكي، ومن التشتّت الذي يُصيب التماسُك العربي، وهذا التماسُك يعاني الاختراقات الخارجية في أكثر من مكان، كما يعاني بعض الضياع من جراء الأحداث المتنوعة التي حصلت وتحصل في أكثر من ساحة عربية.

وعلى سبيل المثال في المقارنة مع أحداث غابرة: فقد استفادت فرنسا من حرب القرم بين روسيا والعثمانيين في العام 1856، وساندت العثمانيين للانتصار على روسيا، مقابل تسليم تركيا بدور فرنسي في تأسيس كيان لبناني موالي لها «متصرفية جبل لبنان» كما أطلقت تركيا يد فرنسا وبريطانيا على القدس وفلسطين وتونس.

ومن الواضح أن تركيا وإيران، تحاولان الاستفادة من اللحظة السياسية ومقاربة التطورات الحاصلة بروحية إمبراطورية، تحمل أحلام العودة إلى أيام مضت من التاريخ، عندما استفادتا من توسيع نفوذهما في المنطقة على حساب النفوذ العربي، وساومتا على المصالح العربية في غرفة المقاصة السياسية الدولية، بحيث قدمتا خدمات للقوى الدولية الكبرى في المنطقة العربية مقابل الاستفادة من العلاقات مع هذه الدول في ملفات أخرى.

والبارز في عودة الأطماع الإمبراطورية؛ وصول الجنوح الأردوغاني إلى حدود لم يسبق أن وصل إليها الدور التركي منذ مئة عام. وبدت المساومات التركية على الساحة العربية كبيرة جداً، فهي تستخدم القضايا الإنسانية لدى الشعب العربي السوري في تجاذباتها مع الأوروبيين، من خلال التهديد بدفع الفقراء والمشردين للنزوح إلى أوروبا، وهي تربط نزاعها مع روسيا في منطقة إدلب السورية، بهدف الابتزاز. وكان توقيع تركيا على صفقة شراء صواريخ «إس-إس 400» بمثابة الإغراء الذي أعجب روسيا، وصرف النظر عن الرد على إسقاط طائرة «السوخوي» الروسية فوق الأراضي السورية نهاية العام 2015. وتركيا تحاول اليوم تحييد الدور الروسي للتوغل أكثر في الشأن السوري الداخلي، لكنها حتى الآن لم تحقق هدفها.

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر؛ فإن التطورات التي تحصل على الضفة الجنوبية من البحر المتوسط لا تقلّ خطراً عما يجري في الشرق، وقد لعبت سياسة الرئيس رجب طيب أردوغان دوراً رئيسياً في تحويل الملفات الداخلية في المغرب العربي إلى صراع دولي ساخن، خصوصاً من خلال التدخُل السافر في الشأن الليبي وإرسال مقاتلين وأسلحة للميليشيات التي تسيطر على طرابلس والمناطق الغربية، ودعم حكومة فايز السراج ضد البرلمان الشرعي المنتخب وفقاً للقانون. وهذه السياسة التركية استدعت أكثر فأكثر التدخلات الدولية من كل حدبٍ وصوب، بعد أن كانت الملفات الداخلية في دول المغرب العربي تُعالج عن طريق الحراك المحلي، مع بعض المساعدات العربية الشقيقة.

استقالة المبعوث الأُممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة، أماط اللثام عن الانعكاسات السلبية للتدخلات الأردوغانية في ليبيا، وحمَّلها مسؤولية إجهاض الحوار الذي تمَّ الاتفاق عليه من الجميع في جنيف في 26 فبراير الماضي.

لا يمكن فصل مسار الجنوح الحاصل في ليبيا وفي سوريا عن بعض معالم السياسة الأردوغانية في مجالات أُخرى، ذلك أن دعوة تركيا لكل مَن يحمل أجداده جنسيات تركيا قبل مئة عام للحصول على جنسية تركية من جديد؛ فيها معالم واضحة لطموحات أردوغانية مُتجددة، وهي حلم بعودة الهيمنة التوسعية على جزء كبير من المساحة العربية. والتسجيل الذي تمَّ نشره بصوت أردوغان، ويعتبر فيه أن مصراته الليبية وحمص وحلب السوريتين وكركوك والموصل العراقيتين لها أصول تركية ؛ أثار المخاوف العربية على شاكلة واسعة من الأطماع المُتجدِدة.

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيظ كان واضحاً أكثر في حديثه التلفزيوني في 2 مارس 2020 عندما قال: «لدى تركيا أطماع واسعة في الأرض العربية تصل إلى حدود الصومال وجيبوتي، ومشروعها الإمبراطوري يزعج أي عربي» وهناك إجماع من الدول العربية على رفض التحركات التركية باستثناء الصومال وقطر.