شمخاني والكاظمي والارتباك الإيراني

بين معضلة تكليف رئيس جديد للوزراء ورأب الصدع بين مكوناته، وخروج تصدّعات البيت السياسي الشيعي العراقي الداخلية عن السيطرة، والتخوف من الانتقال إلى صراع شيعي - شيعي على النفوذ، أرسلت طهران على عجل مبعوثها، لعلَّه يستطيع الحد من إشكاليات تعاطيها مع العراق بعد غياب سليماني، وتطبيع أتباعها العراقيين مع واقعهم الجديد الذي يتطلب إعادة تقدير الأحجام وضبطها، حيث إن ضرورات التدخل الإيراني المباشر فرضت نفسها بعد أشهر على استهلاك البيت الشيعي ما في جعبته من أسماء، كان من الممكن أن تحظى بموافقة أغلب مكوناته، خصوصاً المسلحة التي دخلت على خط تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل، وذلك بعد غياب ناظرها وناظر البيت قاسم سليماني، وهو غياب يصعب تعويضه باعتراف طهران، التي أوكلت المهمة الانتقالية إلى الأدميرال شمخاني حتى يتم تأهيل الجنرال قاآني.

إلى بغداد؛ وصل سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، في زيارة غير متوقعة، لا تتطابق مع الشروط الصحية لمكافحة وباء «كورونا»، خصوصاً أنه متفشٍّ وسط الطبقة السياسية الإيرانية، إلا إن المرحلة تتطلَّب إجراء فحوصات سياسية لأعضاء البيت السياسي الشيعي، مما قد يستدعي وضعهم في الحجر نتيجة إصابتهم بداء الفشل الذي أعاق عملية اختيارهم مرشحاً جديداً لرئاسة الحكومة، مما يرفع احتمال إصابتهم بعقم سياسي سيدفع بطهران إلى التفكير في مرشح من خارج البيت وذلك تجنباً لمواجهة معضلتين: الأولى القلق من الفراغ السياسي في العراق. والثانية تمرير المرحلة الانتقالية ما بين جنرال نافذ رحل، ووريث مجهول غير مؤهل.

من هنا يمكن الافتراض أن القيادة الإيرانية ستتجه للتعامل بواقعية مع المرحلة الانتقالية، باختيارها علي شمخاني العربي الأحوازي الذي ينتمي إلى تيار الوسط المحافظ، بعد فشل تجربة «الحرس الثوري» الراديكالية التي اتبعها قاسم سليماني، وبلغت ذروة تعنتها وتحدّيها إرادة العراقيين بقرار منع التجديد لرئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، وفرض عادل عبد المهدي، بوصفه أبرز شخصيات البيت الشيعي الموثوق بها لدى «الحرس»، ويمثل آخر وجوه الجيل الأول لنظام 2003، الذي وصل إلى نهايته باستقالة عبد المهدي، وفشله في تجديد نفسه بعد تراجع محمد توفيق علاوي، وفقدان شرعيته الشعبية بعد 1 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

في بغداد أدرك شمخاني أن وجوه هذا النظام لم تعد تتطابق مع مواصفات الشارع، فلم يقصر زيارته على الأسماء المعروفة والمألوفة، فكان لقاؤه رئيس جهاز المخابرات الوطنية العلامةَ الفارقة في زيارته؛ لقاء يحمل دلالات كبيرة، خصوصاً أنه جاء بعد اتهام ميليشيات «حزب الله» رئيس الجهاز مصطفى الكاظمي بالضلوع في اغتيال سليماني والمهندس، والتهديد بحرق العراق إذا تم تكليفه تشكيل الحكومة، إلا إن شمخاني باجتماعه مع الكاظمي وترحيب الإعلام الإيراني الرسمي بهذا اللقاء، دحض الاتهامات الأمنية كافة وعزز موقف الكاظمي السياسي أمام الفصائل الولائية، مما قد يدفع بالقوى السياسية النافذة في البيت الشيعي إلى إعادة حساباتها.

من المعروف أن الكاظمي قد برز في عهد حيدر العبادي الذي عينه رئيساً لجهاز المخابرات، وكلفه مهام دبلوماسية الظل، مما أتاح له الربط بين مصالح السياستين الخارجية والأمنية للعراق، ونسج علاقات قوية مع دول جوار العراق والدول الإقليمية المؤثرة، فعزز من حضوره الداخلي والخارجي، ليصبح أحد أبرز الأسماء المطروحة لتشكيل الحكومة، خصوصاً أنه بوصفه مرشحاً محتملاً يتطابق بنسبة عالية مع المواصفات التي وضعها شباب «أكتوبر».

من جهته؛ يدرك الكاظمي القادم من خارج البيت الشيعي ومن خارج مؤسساته الحزبية والعقائدية التي حكمت العراق فيما بعد 2003، أنَّ الجغرافيا تُلزم العراق بعلاقات متينة مع إيران تعززها الروابط الروحية والثقافية ما بين الشعبين الإيراني والعراقي، وبأنَّ التعامل بواقعية مع الدور الإيراني يساعد العراق على تجاوز كثير من أزماته. لكن في المقابل من الصعب حتى الآن إقناع طهران بالتخلي عن نفوذها لصالح دور إيجابي، وبوقف هيمنتها على القرار العراقي؛ خصوصاً الشيعي، أو بإعادة مراجعتها تجربتها الفاشلة التي أدَّت إلى مواجهة دموية بينها وبين الشارع الشيعي الذي أعلن رفضه سيطرتها على قراره ومصادرته.

بالعودة إلى زيارة شمخاني ولقائه الكاظمي، لا يمكن وضعها إلا في إطار الارتباك الإيراني والعجز عن إيجاد مخرج لمعضلتها العراقية، فكلفت شمخاني استطلاع الموقف والاحتكاك السياسي المباشر مع الكاظمي بعد فشل الاحتكاك الفصائلي، وهي حركة استباقية من طهران قبل أن تفرض عليها التطورات الداخلية والخارجية التعامل مع واقع جديد من خارج حساباتها، فاللقاء مع الكاظمي عزز حظوظه، لكنه في النهاية كشف عن حجم مأزق القيادة الإيرانية وارتباكاتها.