الخبير الأجنبي

د. قصي الحسين |

كنت أسمع منذ صغري بالخبير الأجنبي. كان الناس في الريف يغتبطون لوصوله إليهم، يرشدهم في مواسم الفلاحة، والغرس، والزرع. وفي فصول الري، والتشحيل، والرش، والتسميد، وفي مواسم القطاف وتحصيل المحصول، وتوضيبه وتخزينه، وكيفية تحضيره للنقل، وطرحه في السوق.

وكان الناس يتحدثون أيضاً في الحقول، والبيادر، ومواسم القطاف، عن المزارع الناجح، والفلاح الناجح الذي يُحسن الغرس، والزرع، وتربية المواشي، والحلب والصرّ، فيغدو بذلك "ابن كار"، والذي استطاع، بجدّه واجتهاده، أن يستغني عن الخبير الأجنبي؛ فقالوا عنه: إنّه "فلّاحٌ عتيق". 

وكان الناس يرون أن الحقول بمحاصيلها الناجحة، وبمواسمها الخيّرة، وبأرباحها الوفيرة، ليست بتعهدٍ من "الخبير الأجنبي"، وإنما في يمين، وفي عهدة "الفلّاح العتيق".

وكان الفلّاحون يرتابون بالخبير الأجنبي. فلم يكن ابن بلد. ولم يكن ابن كار. وهو إلى ذلك موظفٌ زائر، لا يقيم في البلاد، ولا يعرف بأحوالها ولا بأحوال العباد.

وكثيراً ما ينعتونه بأنه موظفٌ مأجور، لا على أساس أنه يقوم بعمله، ويقدّم خبرته لوجه الله، وإنما غاية أمره أن يوقّع على محضر الزيارة، ويرسم لنفسه المبلغ المرقوم، ويأتي متأخراً، ويعود بعد الجعالة في عجالة، ويوجّه للأهالي البرقيات الرمزية المختصرة، وينفض ريشه كما الديك الرومي، ويلاعب ويمازح ويفتّ النكات فتّاً، ويتراقص أمام الأهالي كما المهرّج أو البلهوان.

وكان مجتمع الريف المعجب ب"الإفرنجي" على قاعدة "كل فرنجي برنجي"، أكثر ما يتحلقون حول الخبير الأجنبي، لتمكّنه من صناعة الغشوش أكثر من توفير ما يحتاجه الناس من أسباب النجاح، وصناعة المواسم الخيّرة المزدهرة.

بينما كان الفلّاح العتيق يضحك في سرّه من أمر "الخبير الأجنبي"، وأنه لا يعدو كونه من المرتزقة الأجانب الذين لا يعوّل عليهم في شيء. وأنهم ما أوكِل إليهم عمل، أو أنيطت بهم وظيفة، أو طُلب منهم رأيٌ أو اجتهاد، إلا خانوا فيه، وخادعوا، وغشّوا، وباعوا، واشتروا، فلا أمانة عندهم، ولا خير منهم، ولا فائدة من نصحهم ولا ما يحزنون. 

وشيئاً فشيئاً كانت ثقة الناس ب "الفلّاح العتيق"، تتقدم على ثقتهم ب "الخبير الأجنبي". وصاروا يتهامسون عنه. ويحدّثون بنجاحه: في حقله وفي موسمه، وفي زروعه، وفي محصوله، وفي مواشيه، وفي طيوره، حتى كادت سمعته تتغلب على سمعة "الخبير الأجنبي".
 وبات الفلّاح العتيق مضرب المثل أمام جمهور الناس، ليس في الريف وحسب، ولا في بلاد الجبل، والساحل والسهل، وإنما في مجتمع المدينة نفسها.

تقدّمت صفة "الفلّاح العتيق" على صفة "الخبير الأجنبي". وغدت محل احترام من الناس، كل الناس، في جميع القطاعات الإنتاجية المختلفة، حتى ولو لم تكن لها صلة بالفلاحة، والزراعة، والحقول، والزرائب.

واتّصلتْ بالخبير الأجنبي صفة الخداعِ والغش في كل شيء. وصفة استحلال الحرام، وتحريم الحلال في كل حاجة. وصفة البهورة والشطارة، وضرب الكم، واللعب بـ "تلات وراق"، والنصب والاحتيال، والتهريج، والتلوّن، والباطل، والفساد، وترويج الخِدع والأكاذيب، والتهرّب من تبعات النتائج الفاسدة. 

وصار الناس ينالون اسم "الخبير الأجنبي" بالتهكّم. فهو الرجل المبطل إذا حكم: في السياسة، وفي القضاء، وفي الإدارة، وفي التربية، وفي الاقتصاد، وفي الإعلام، وفي الثقافة، وفي السياحة، فما بالكم عن الزراعة والفلاحة.

أما صفة "الفلّاح العتيق"، فأخذ يوصَفُ بها كل ماهرٍ في أي صنعة، وعلى أي صعيد، ولو في الأنواء والنظر في الأرض، أو التطلع إلى السماء.

فإذا تحدثوا عن ناجحٍ في قطاع الإدارة، قالوا عنه: "فلّاح عتيق". أو عن معلمٍ، أو أستاذِ جامعيٍ، أو رجل أمنٍ، أو زعيمٍ سياسي، أو وزيرٍ، أو نائبٍ، أو مختارٍ، أو رئيس بلدية، أو أي رئيسٍ من رؤساء أصحاب الألقاب: الفخامة، والعطوفة، والدولة، قالوا عنه بتعجب: "فلان... فلّاح عتيق".

أقول قولي هذا، وأستغفر الله. 

فكيف ربا الخسيس على النفيس. بل كيف عجز الأجنبي أمام البلدي. وكيف علا الفلّاح على الخبير. وكيف نجح "ابن البلد"، و"ابن الكار"، على "الشعر المستعار"، و"الرجل المستعار".

لبنان منذ "ثورة 17 - تشرين الأول"، وهو أمام تهويل الخبير الأجنبي. وأمام كل استحقاق، يسرع إليه الخبير الأجنبي. وفي" كل عرس، للخبير الأجنبي، قرص". فلا ينعقد مجلس، ولا تتم انتخابات، ولا تسمّى الرئاسات، ولا تمسّ الشخصيات، ولا يُطعن، أو تقدّم، المشاريع أو الدراسات، إلّا بعد قدوم "الخبير الأجنبي"، واستطلاع رأيه، وأخذ موافقته، والتبخير لرأيه والتهليل لمشورته، على جميع المنابر، وفي جميع وسائل الإعلام.

مضى على لبنان في محبسه، بانتظار تحكيم الخبير الأجنبي به، الأشهر الطوال. وهو لا يزال ينتظر. فمتى يكتشف أهل لبنان أنهم أحوج إلى "فلاحٍ عتيق" منهم إلى "خبيرٍ أجنبي".  ولكن مأساتهم، أنهم تروّضوا على الخبير الأجنبي، بعد أن خسروا "الفلّاح العتيق"، وصاروا يأكلون مما لا يزرعون، ويلبسون مما لا يصنعون. وبات الناس يتذاكرون جبران خليل جبران، وينشدون للشاعر القديم: 
 ذهب الذين يُعاش في أكنافهم

وبقيتُ في كنفٍ كجلد الأجرب.


(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.