فوز القائمة العربية بصيص أمل في زمن العنصرية الصهيونية

فوزي أبو ذياب |

لم تغيّر نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ 23، صورة المشهد السياسي المتعثّر في إسرائيل، الذي تسبب بإعادة الانتخابات ثلاث مرات متتالية في غضون سنة واحدة.

فالنتائج النهائية، وعلى الرغم من تقدّم حزب الليكود فيها، لم تعطِ بنيامين نتنياهو غالبيةً كافية لتشكيل حكومته الجديدة. كما لم يتمكن حزب أبيض-أزرق من تحقيق نقلةٍ نوعية في عدد مقاعده، كما كان يتوقّع زعيمه بيني غانتس. 

إلّا أن المفاجأة كانت في حصول القائمة المشتركة (العربية) بزعامة المناضل الفلسطيني أيمن عودة على 16 مقعداً، وهي المرة الأولى التي تتمكّن فيها الأحزاب العربية في الداخل من تحقيق هذا العدد.

واللّافت أيضاً أن مرشحة الحركة الإسلامية، إيمان خطيب، والتي ترتدي الحجاب، سوف تدخل الكنيست لتكون أول امرأةٍ مسلمة محجبة منذ إنشاء الكيان الإسرائيلي، وذلك في سابقةٍ تشكّل إنجازاً بكل المقاييس، حيث سيضطر أعضاء الكنيست ذي الغالبية اليمينية إلى التعوّد على الجلوس إلى جانب امرأةٍ محجّبة في مجتمعٍ يزداد تطرفاً وتعصباً وعنصرية.

نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي تقدّمت فيها الأحزاب اليمينية، تدلّ على أن المجتمع الإسرائيلي "يزداد تعصباً وعنصرية"، وهو ما يسهّل مهمة الحكومة الائتلافية القادمة بزعامة نتنياهو أو غانتس، في تنفيذ "البرنامج المتوقّع"، والذي يتبنّى تطبيق المبادرة الأميركية للسلام (صفقة القرن)، ومنها الاستيطان، وضمّ الأراضي، ويهودية الدولة. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد كرّر وعده بضمّ غور الأردن، والمستوطنات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية، وذلك بعد تقدّمه في الانتخابات الأخيرة.

نتائج الانتخابات تنقل رسالةً واضحة للوسط العربي، وتفيد بأن خطاب السلام، والمساواة، والشراكة، والاندماج، ربما يزيد الدوافع من أجل الخروج للتصويت، لكنّها لم تغيّر الواقع، وهو أن دولة إسرائيل هي دولة يمينية، وكل زيادة في تمثيل الجمهور العربي في الكنيست ستؤدي بالتحديد إلى تطرّف الجمهور في إسرائيل، وإقصاء العرب. والدولة هي، قبل أي شيء يهودية، وبعد ذلك ديمقراطية، والعرب سيحظون بهوامش الديمقراطية فقط.

لكن ذلك لا يلغي أن نجاح القائمة المشتركة شكّل بصيص أمل، وأنه ثمرة نجاحٍ له علاقة بتراكمٍ طويل يعود إلى ستة عقود من تشتّت الصوت الفلسطيني في الداخل الإسرائيلي، حيث ولأول مرة، تظهر قائمة مشتركة موحدة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن القوائم التي كانت تقود المجتمع الفلسطيني في الداخل، إما أن تكون بقيادة الشيوعيين المختلطة (عرب ويهود)، أو أحزاباً يسارية أخرى، أو بقيادة جزئية لأحزابٍ إسلامية، أو التجمّع الوطني الديمقراطي، برئاسة عزمي بشارة سابقاً، أو بقيادة الحركة العربية للتغيير التي يرأسها أحمد الطيبي.

"هذه هي المرة الأولى التي تتوافق فيها النُخب الفلسطينية على لائحة مشتركة، والتي عملَ الجميع على إنجاحها، وقَبِل أعضاؤها ترتيبهم في داخلها، وهو ما أمّن لها هذا الفوز"، وذلك وفق ما قاله الباحث الفلسطيني هشام دبسي لـ"الأنباء" في معرض تعليقه على نتائج الانتخابات، ولا سيّما ما حقّقته القائمة المشتركة، حيث ثمّن "هذا التطور الذي استغرق نضالاً طويلاً منذ الستينيات، أي بعد انتهاء الحكم العسكري للمناطق المحتلة، وبدء المشاركة الفلسطينية والعربية في الانتخابات الإسرائيلية عبر الأحزاب الصهيونية أولاً، وذلك قبل أن تتشكّل أحزاب عربية وفلسطينية خاصة، وصولاً إلى تشكيل قائمةٍ مشتركةٍ حصدت 16 مقعداً في الكنيست. والإضاءة على هذا التحوّل في غاية الأهمية، خاصةً وأنه في القائمة المشتركة يتواجد فلسطينيون، وعرب، ويهود، ويساريون وإسرائيليون".  

وأوضح دبسي أن الفلسطينيين في أرض فلسطين التاريخية، والخاضعين لدولة إسرائيل يشكّلون 20% من التعداد العام السكاني والانتخابي، وقال: "إلى جانب الفلسطينيين هناك تكتلٌ من اليهود غير الصهاينة، والخارجين عن الولاء للحركة الصهيونية وإنْ بأعدادٍ قليلة. وهناك أيضاً اليسار المناهض للحركة الصهيونية. وهناك أيضاً العرب- اليهود في إسرائيل. وهذه التكتلات الثلاثة تجمعها حقوقٌ ومطالب يمكن إنتاج قاسم مشترك بينها. وبالتالي حين تتمكّن النُخب الفلسطينية من تحقيق مثل هذا الإنجاز، ولا يعود الحديث هنا عن أقلية فلسطينية معزولة وبعيدة عن نسيج المجتمع الإسرائيلي، سواءً إذا كان الإسرائيليون يهوداً عرب، أو يهوداً غير صهاينة، أو يهوداً يساريين، أو يهوداً أرثوذوكس يرفضون قيام دولة يهودية، لا بل يتحول الأمر إلى مسألة مواطنة وكرامة بشرية وحقوق إنسان".

ويرى دبسي أن "هذه الفئات قليلة، لكنها قادرة على أن تكون شديدة التأثير في المشهد الإسرائيلي إذا تمكنت من القيام بعملٍ منهجي ورؤيوي، وقادرة على أن تستخلص عدداً من القواسم المشتركة لتوسيع نطاق وعمل القائمة المشتركة إلى أبعد من الفلسطينيين داخل إسرائيل. هذا الأمر يحتاج أيضاً إلى تأمّل، ويحتاج إلى دراسة معمقة، وكذلك يحتاج إلى معلوماتٍ مدققة؛ لكنه يتطلب المزيد من العمل لإظهاره في المشهد الإسرائيلي العام، على اعتباره قضية ذات آفاقٍ مستقبلية تتجاوز الحديث عن أقلية فلسطينية".

ويتفق دبسي مع باحثين آخرين على أن "موقف الحزبَين الإسرائيليين الكبيرين - "الليكود" و"أزرق- أبيض" - والذي يتّجه بشكلٍ قويٍ ومتسارع إلى الانتقاص من الحقوق المدنية للفلسطينيين في الداخل، ويعاقب من يتعاون معهم في نضالهم من أجل حقوقهم، ويعاقب من يناضل من أجل إسرائيل ديمقراطية، بعيداً عن شعار إسرائيل يهودية - يوفّر إمكانية تلاقي العديد من القطاعات الوازنة وذات الأثر في المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يتطلب النظر إليه بديناميته وإمكاناته، وما يحمل من طاقةٍ داخلية، وفي هذا شيء إيجابي لا بد من التمعّن فيه دون التقليل من شأنه، ودون المبالغة التي لا تستند إلّا إلى الأوهام".

هذه الرؤية المستقبلية لحركة النضال الوطني الفلسطيني – العربي في الداخل، لا شك في أنها سوف تثمر تحولاً جذرياً في يومٍ من الأيام. وعلى الرغم من أهمية الفوز الذي حقّقته القائمة المشتركة، فإن مكونات المجتمع الإسرائيلي الحالي، وما يختزنه هذا المجتمع من متناقضات، وأمام التحولات الإقليمية المتسارعة، ودخول "صفقة القرن" حيّز التنفيذ، وفق الرؤية الأميركية – الإسرائيلية، فإن المنطقة ذاهبةٌ نحو المزيد من التصعيد والتفتّت والتهجير، وإن درب الجلجلة المعبّد بالتضحيات والآلام مازال طويلاً.