الصناعة في زمن الاستيراد

06 آذار 2020 07:25:00 - آخر تحديث: 06 آذار 2020 09:39:18

لم يتوقع وفد صندوق النقد الدولي الذي زار لبنان في شباط 2020، أن يغادر هذا البلد ممتعضاً، لا بل مشمئزاً، من حكومة طلبت استشارة تقنية واستقبلت وفداً من خبراء لبّوا دعوة الجمهورية اللبنانية؛ ليُفاجأوا عند اجتماعهم بالحكومة بلا- مبالاة صنّاع القرار الذين ظنوا أنّ لصندوق النقد الدولي عصا سحرية تنقذ لبنان، وتعود بمكاسب سياسية لرئيس الحكومة وفريقه المعاون.

وصل الإفلاس السياسي للحكومة اللبنانية درجة التمنّي من وفد صندوق النقد الدولي تمديد إقامته ريثما تحضّر حكومة دياب خطةً مالية ونقدية يُبنى عليها. فالاجتماعات التي أجرتها الوفود مع مسؤولين لبنانيين فضحت من الجلسات الأولى نسبة اللّا- مسؤولية والضياع التي امتاز بها صنّاع القرار. 

لم يطرح لبنان على وفد الخبراء خطةً مالية تفصيلية وإنقاذية. ولم يطرح رؤيةً مالية بعناوين عريضة تسمح لخبراء النقد الدولي ترجمتها على أرض الواقع. ولكن، وللمفارقة، طلبت حكومة دياب من "المستشارين الدوليين" أرقاماً دقيقة عن الوضع المالي والنقدي، وكأنّ أولئك الخبراء الذين لربما لم يسمعوا بلبنان قبل قدومهم إليه، هم صنّاع القرار، ومن واجبهم إجراء تقييم علمي مفصّل عن الواقع اللبناني. 

"الوقاحة" اللبنانية وصلت درجة تقاذف التهم والمسؤوليات أمام الوفد الدولي، وخلط السياسة بالاقتصاد والمال؛ فثمة من تحدّث عن صبيانية الدولة اللبنانية في التعاطي مع هكذا أزمة ومحطة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث.

إنّ هذا السقوط المدوي يعود إلى الواقع المرير المتمثل "بحدث" سبق الدولة اللبنانية، وما زالت حتى الساعة لا تستطيع اللحاق به، بل مكانها تراوح. إن هذا الحدث، المتمثّل بـ17 تشرين الأول وما بعده، أثمر كشف عورات الدولة. 

اليوم لا ينفع الإقرار بالمسار التلقائي للأمور، لأنه ليس ثمة مساراً خارجياً يقود المسار اللبناني، فيسمح بدولةٍ لا قرارات لها، بل فقط استجابات للمسارات الخارجية المصنَّعة في الخارج، والمصدَّرة إلينا.

إن لبنان اليوم بأمسّ الحاجة لمسارٍ وطني يقود المواقف السياسية ويصنع القرارات، فإننا لا نستطيع بعد الاتكال على المسار المُصنَّع. وهنا يصحّ مثل "النأي بالنفس". هذا المصطلح الذي أطلقته حكومة نجيب ميقاتي دون أن تتقصد، لأنه ليس بسياسية وطنية بل استجابة للمسار الخارجي. فقد اخترع هذه البدعة وزير العدل السابق إبراهيم نجار حينما ناقش مجلس الوزراء رسالة ممثّل لبنان لدى الأمم المتحدة، السفير نواف سلام، والذي أراد أن يعي موقف لبنان من النظام السوري، والعقوبات والإجراءات التي أراد مجلس الأمن الدولي اتخاذها بحق نظام الأسد، فما كان من حكومة نجيب ميقاتي إلّا أن تترك المسار الخارجي، وتبتدع بدعة "النأي بالنفس". 

 صحيح أن صنع القرار ليس بالأمر السهل في ظلّ النظام النيو- ليبرالي القائم، والتركيبة الاجتماعية السياسية القائمة؛ ولكن عدم اتخاذ قرارات ليس نهجاً ظرفياً، بل هو إشعارٌ بعدم الحاجة للدولة، وهذا ما يجب إنهاؤه لأنه يزيد الوضع سوءاً، ويُبعد بصيص النور الذي نأمل رؤيته في نهاية هذا النفق المظلم. 

ولكن هل فعلاً ثمة بصيص نور في دولة الاستيراد الاقتصادي والسياسي، والتي بات صنع القرار فيها شبه مستحيل؟ هل فعلاً ستنتهي محنة بلدٍ متروكٍ بين المؤسّسات الدولية، والسفارات الوازنة التي أقفلت أبوابها أمام اللون الواحد الحاكم؟! الجواب رهن الأشهر المقبلة، وليس أبداً في جعبة دولة البروفيسور، أو الطبقة الحاكمة.

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.