بوتين وأردوغان.. وبينهما إدلب

فوزي أبو ذياب |

قلَبَ الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان طاولة الشمال السوري بكل ملفاتها المعقدة، السياسية والأمنية والعسكرية والإنسانية، وأطاح بثلاثية آستانة، وألقى على أبواب أوروبا بأزمة اللاجئين وأثقالها الإنسانية، وأطلق العنان لآلته العسكرية من أجل تحقيق أهدافه بإقامة المنطقة الآمنة التي تمتد من 30 الى 35 كلم داخل الحدود السورية.

قبل أيام قال أردوغان أمام مناصريه إن "تركيا اليوم هي أكبر من تركيا الحالية، ولذلك لا يمكن أن نكون محاصرين في 780 ألف كيلومتر مربع (مساحة تركيا الفعلية)، لأن حدودنا الجسدية والقلبية مختلفة. قد يكون إخواننا في الموصل، وكركوك، والحسكة، وحلب، وحمص، ومصراته، وسكوبي، وجزيرة القرم، جميعهم خارج حدودنا الفعلية، لكنهم ضمن حدودنا العاطفية، وفي قلوبنا" وتابع قائلاً، "سنتصدى لأولئك الذين يحاولون تحديد تاريخ تركيا وأمّتنا بـ 90 عاماً، ويجب أن نتخذ كل التدابير لنجمع أمّتنا مع ثقافتها وحضارتها وتاريخها".  

تركيا المتكّئة على أمجاد ماضٍ عثمانيٍ ثقيل، والصاعدة باقتصادها النامي، وطموحات حزب العدالة والتنمية التوسعية، واكبت ثورات الربيع العربي، وقدّمت نفسها كبديل عن الأنظمة العربية المتهاوية رافعةً شعار "النموذج التركي"، لكنها فشلت في تحقيق نظرية "صفر خلافات" مع دول الجوار. إلّا أنها وبعد نجاح الثورة الارتدادية في مصر وتونس، وإسقاط حكم الإخوان المسلمين، واندلاع الحروب الأهلية في ليبيا وسوريا، وجدت نفسها محاصرة بالأزمات، من أبواب الاتحاد الأوروبي الرافض لعضويتها، إلى أثقال أزمة النازحين السوريين الهاربين من بطش النظام، إلى أزمتها التاريخية مع الأكراد، إلى الموقف الأميركي الملتبس من الأزمة السورية، إلى علاقتها المتأزمة مع دول الخليج العربي حول قيادة الإسلاميين السنّة، إلى الوجود العسكري الروسي في القِرم، وسوريا، والتمدّد الإيراني نحو الموصل والبوكمال وحلب، وهذا ما دفع أردوغان لممارسة الواقعية السياسية الممزوجة ببرغماتية منضبطة، لا تخلو من شعبوية شوفينية.

اقترب أردوغان من موسكو وعزّز مصالحه الاقتصادية والتجارية معها، وكان إلى جانب بوتين وروحاني في آستانة ضمن مجموعة الدول الضامنة لخفض التصعيد في سوريا، حيث تقاسم الثلاثة النفوذ على مناطقها، واتفق مع أوروبا لوقف أفواج النازحين إليها، ولم يخرج من حلف الناتو، ولم يقطع صلة الوصل بينه وبين الولايات المتحدة الأميركية التي لها في تركيا أكبر القواعد العسكرية، لا بل نجح في تمرير مصالحه ومشاريعه مع الجميع، لا سيّما حدود المنطقة الآمنة في الشمال والشمال الشرقي السوري، والتي قضمها على مراحل وتحت عناوين مختلفة، (درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام). نهاية العام الماضي شنّ النظام السوري، والميليشيات الحليفة له، عمليّته العسكرية في إدلب وغرب حلب، مدعوماً بالطائرات الروسية، متجاوزاً بذلك اتفاق سوتشي، ومبادئ خفض التصعيد الذي تم الاتفاق عليه في آستانة، ما دفع تركيا إلى استشعار مخاطر ذلك التصعيد، وعُقدت من أجل ذلك العديد من القمم الدولية في روسيا وبرلين، إضافة إلى أكثر من جلسة خاصة في مجلس الأمن من دون التوصّل إلى اتفاق وقفٍ جديٍ لإطلاق للنار يمنع عملية التهجير الجديدة، ويؤسّس لمرحلة انتقالية للحل السياسي. لا بل تجاوزت قوات النظام، مدعومة من القوات الروسية والإيرانية، نقاط المراقبة التركية موقعةً عددً من أفرادها بين قتيلٍ وجريح، وهو ما دفع بالجيش التركي إلى إطلاق عملية عسكرية جديدة واسعة النطاق في إدلب وحلب، معلناً الحرب على النظام السوري بعد انتهاء المهلة التي منحها الرئيس التركي لكل من روسيا والنظام السوري للعودة إلى حدود اتفاقية سوتشي التي لا تتناقض واتفاقية أضنة.

مصادر تركية كشفت لـ"الأنباء" أن "تركيا التي بدأت عملية "درع الربيع" ضد قوات النظام السوري في محافظة إدلب، في أعقاب مقتل 33 جندياً تركياً، لن تتوقف قبل تأمين كامل المنطقة الآمنة"، وأنها لن توصد الأبواب مجدداً أمام النازحين إلى أوروبا"، مؤكدةً أن "لا نية لتركيا التصادم مع روسيا، إنما إنهاء مجازر النظام السوري، ووضع حدٍ للتطرف والهجرة". وطالبت المصادر موسكو ب"استخدام نفوذها لوقف هجمات النظام وإجباره على الانسحاب إلى حدود اتفاقية سوتشي".

وعن اللقاء الذي سيجمع الرئيسَين الروسي والتركي في الخامس من آذار، رأت المصادر أن العلاقة الروسية – التركية، والمصالح المشتركة بينهما، تجعل الرئيسَين أمام خيار الاتفاق لا الاختلاف، وإن روسيا وافقت على اتفاق سوتشي، وعليها ضمان تنفيذه، وإلزام قوات النظام السوري الانسحاب إلى الحدود المتفق عليها، وأنه ليس لدى أنقرة أي نية في الدخول بمواجهة مع موسكو".

بدوره، المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف قال: "سيكون دون شك لقاءً صعباً، لكن الرئيسين يؤكّدان رغبتهما في تسوية الوضع في إدلب، وأكّد أن موسكو، "تولي أهميةً كبرى للتعاون مع تركيا في محاربة الإرهاب في سوريا".

وكان الرئيس التركي قد مهّد في خطابٍ ألقاه في أنقرة بعد ساعاتٍ من انطلاق عملية "درع الربيع" بالقول: "سأذهب إلى موسكو الخميس لمناقشة التطورات مع بوتين. وآمل هناك أن يتخذ التدابير الضرورية مثل وقف لإطلاق النار، وأن نجد حلاً لهذه المسألة".

في هذا السياق اعتبرت المصادر المتابعة أن الرئيسين التركي والروسي، يضعان مصالح بلديهما المشتركة والعديدة أمام أعينهما خلال مناقشتهما للأزمة السورية، لا سيّما في إدلب وحلب، وأنه ليس بإمكان أي منهما التغاضي عن مصالح الطرف الأخر، وأن أكثر ما يمكن التوصل إليه هو تثبيت حدود اتفاق أضنة، كخط لوقف إطلاق النار، وبالتالي حدود سوريا المفيدة، والتي سبق للأسد أن تحدث عنها، سيّما وأن واشنطن تعمل على تثبيت حدود المناطق الكردية في الشرق السوري.

وأكّدت المصادر أن موعد الخامس من آذار قد يكون الوقت الذي تحتاجه تركيا لإنهاء عمليتها، ما يمكّن الطرفين من تقييم الموقف، وإعلان وقفٍ دائم لإطلاق النار في شمال سوريا.